اكتئاب الحمل: أسبابه وأعراضه وكيفية التعامل معه

يُعد اكتئاب الحمل من المشكلات الصحية التي لا تحظى بالاهتمام الكافي، لأن المجتمع ينتظر من الحامل أن تكون سعيدة دائمًا، فتخفي كثير من النساء مشاعر الحزن والقلق خوفًا من اللوم أو الشعور بالذنب. غير أن الاعتراف بهذه المشاعر هو الخطوة الأولى نحو التعامل معها وحماية صحة الأم والجنين.

بعد عرض العلامات والأسباب الأساسية، نتناول في هذه الصفحة الفرق بين تقلبات المزاج العادية والاكتئاب، وعوامل الخطر، وخيارات الدعم والعلاج، ودور الزوج والأسرة، والعلامات التي تستدعي طلب المساعدة العاجلة.

العلامات والأسباب

اكتئاب الحمل أسبابه وأعراضه وكيفية تعامل الحامل معه
حين تجرين اختبار الحمل وتخبرين الجميع بهذا النبأ السار، تسمعين الجميع يقولون: "هنيئاً لك! مبروك، لابد أنك سعيدة جداً بالحدث!". نعم، أنت بالفعل سعيدة لأنك أصبحت حاملاً، ولكنك لست في منتهى السعادة. في واقع الأمر، أنت تشعرين في بعض الأحيان أنك حزينة، ويزيد المشكلة أنك تشعرين بالذنب كونك حزينة وقد تصبحين أكثر اكتئاباً. هل تشعرين بذلك أنت وحدك؟ الجواب: كلا!


علامات ومؤشرات الاكتئاب
ربما يكون الحمل من الأوقات التي تتمتعين فيها بمشاعر إيجابية، ولكن لا ينطبق هذا الأمر على كل النساء وفي جميع الأوقات. تعاني امرأة واحدة من بين كل 10 حوامل من نوبات الاكتئاب أثناء الحمل. 

من المحتمل أن تكبتي هذه المشاعر لأن الحمل ينبغي أن يكون مدعاة للفرح والسرور، أو ربما نظنّ أن حزننا ما هو إلا تقلبات مزاجية تصاحب الحمل عادة. لكن يمكن أن يتحوّل الاكتئاب إلى مشكلة خطيرة بالنسبة لبعض النساء. 

ليس هناك مجموعة محددة من الأعراض التي تؤدي إلى الاكتئاب، فالأمر يختلف من شخص لآخر. يعاني بعض الناس من انخفاض في المعنويات طيلة الوقت، ويشعر البعض الآخر بتعكر المزاج والميل إلى البكاء، أو يشعر بأنه عديم الفائدة ومن ثَمَّ يرغب في الانسحاب من الحياة. وقد يؤثر الاكتئاب عليك نفسياً وجسدياً فينعكس على تصرفاتك. 

فيما يلي بعض الأعراض التي قد تظهر عليك إذا كنت تعانين من الاكتئاب: 

*عدم القدرة على التركيز
*القلق
*النزق والانفعالية الشديدة
*مشاكل في النوم
*التعب الشديد أو الإرهاق المستمر
*الرغبة الدائمة في تناول الطعام، أو عدم الرغبة في تناوله مطلقاً
*الإحساس بخسارة المتعة في كل شيء
*الحزن المتواصل

ما الذي يسبب حالة الاكتئاب؟
كان يُعتقد أن هرمونات الحمل تقوم بدور "وقائي" من الاكتئاب، لأن العديد من النساء يشعرن بالسعادة في الحمل. مع ذلك تبيّن، وبشكل متزايد، أن الضغوط والتوترات الخاصة بالحمل ورعاية الأطفال الصغار يمكن أن تجعل المرأة أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب. 

إذا كانت هناك جوانب في حياتك لا تسير على ما يرام، فسوف تصبحين أكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب في هذه الأوقات. 
من بين الأسباب الأخرى: 

-ضغط وتوترات الحياة: أي تغيير أو حدث كبير في الحياة يمكن أن يسبب الاكتئاب.

-الدخل المنخفض أو المحدود: ترتبط المخاوف المالية بقوة باكتئاب الحمل.

-مشاكل في الحمل: الحمل المضطرب، مثل أن يتسبّب بالغثيان الصباحي الحاد (في الفترة الأولى) على سبيل المثال، يمكن أن يؤثر سلباً على الناحية العاطفية.

-مضاعفات حمل سابق: من المحتمل أن تلقي الأحداث التي مررت بها أثناء الحمل والولادة (في مرحلة سابقة) بظلالها على مشاعرك تجاه حملك الحالي. فقد وجدت الدراسات أن مضاعفات الحمل السابق ترتبط باكتئاب الحمل.

-الإصابة بالعقم أو خسارة حمل سابق: إذا كنت قد عانيت من صعوبات كثيرة في محاولة الإنجاب، أو تعرّضت لحالة إجهاض تلقائي، فقد تجدين نفسك قلقة بشأن سلامة هذا الحمل.

-التعرض للإساءة: يمكن أن يعيد الحمل الذكريات المؤلمة إلى سطح الذاكرة لدى نساء تعرّضن للإساءة أو الاعتداء. يتغيّر جسمك الآن بشكل خارج عن سيطرتك، مما قد يعيد إلى الذاكرة مشاهد أحداث دفينة طويت صفحتها منذ زمن طويل. تحدثي إلى الطبيبة عن أي إساءة تؤثر عليك خلال مواعيد فحوصات ما قبل الحمل حتى تحصلي على ما يلزمك من المساعدة والدعم.

-إصابة سابقة بالاكتئاب لديك أو لدى أي من أفراد الأسرة: في حال وجود إصابة سابقة بالاكتئاب في عائلتك، أو إذا كنت قد عانيت قبلاً من نوبات اكتئاب، قد تكونين أكثر عرضة للإصابة باكتئاب الحمل.

خلال فحوصات ما قبل الولادة، سوف تسألك الطبيبة عن صحتك النفسية الحالية والسابقة بهدف توفير المساعدة لك لو احتجت إليها. 

كيف يمكنك التعامل مع الأمر؟
خذي الأمور ببساطة. قاومي الرغبة في مراكمة العديد من الأعمال المنزلية قبل مجيء المولود الجديد. اقرئي كتاباً أو تناولي طعام الفطور في السرير، أو قابلي إحدى صديقاتك. تمثل رعايتك نفسك جزءاً أساسياً من رعاية طفلك.

مارسي بعض التمارين الرياضية. مع أنه لا يستحسن أن تبدئي بالالتزام بنظام رياضي متكامل أثناء الحمل، إلا أن الرياضة ستساعدك في تحسين مزاجك وتعتبر علاجاً متعارفاً عليه لحالات الاكتئاب الخفيف والمتوسط. كما تستطيعين ممارسة السباحة، والمشي، والتمارين الرياضية التي تسبق الولادة أثناء الحمل. اكتشفي المزيد من المعلومات حول التمارين الرياضية الموصى بها خلال الحمل.

تحدثي عن الحالة! أبقي خطوط التواصل بينك وبين زوجك موصولة وواضحة.

فكّري في العلاج أو المشورة. لو حاولت على مدى أسبوعين النهوض من حالة الهبوط المعنوي بدون جدوى، ستفيدك الاستشارة والعلاج. تحتاجين إلى العثور على شخص تشعرين معه بالأمان وتثقين به. يمكنك أيضاً الاستفادة لبعض الوقت من تناول مضادات الاكتئاب لو كانت حالتك ما فوق المتوسطة، فبعض هذه العقاقير آمنة للنساء الحوامل. لكن إذا لم تكوني متأكدة من ذلك، فتّشي عن بدائل عن الأدوية. يجب أن تناقشي الأمر مع الطبيبة المختصة.

متى يجب أن تشعري بالقلق؟
إذا كنت تفكرين في أذية نفسك أو أنك مشوشة الأفكار أو غير قادرة على التعامل مع مسؤولياتك اليومية، أو إذا كنتِ تعانين من نوبات الخوف الشديد، فعليك مناقشة المسألة مع الطبيبة. وهذا أمر في غاية الأهمية، خاصة إذا كنت تجدين مشقة بالغة في الاعتناء بنفسك ولا تتناولين الطعام كما ينبغي بما يمكن أن يؤثر على طفلك الذي ما يزال في طور النمو. 

لا يعتبر السعي للحصول على المساعدة علامة ضعف، بل هو مؤشر على أنك أمّ واعية على استعداد لاتخاذ الخطوات اللازمة للحفاظ على سلامتها وصحتها هي وطفلها. 
ماذا عن المستقبل؟
يعتقد الباحثون أن هناك علاقة بين الاكتئاب أثناء الحمل واكتئاب ما بعد الولادة، ولكن هذا لا يعني أنك سوف تصابين به بالضرورة لو مررت به في الحمل. 

اعملي على بناء شبكة الدعم منذ الآن والتي يمكن أن تتكوّن من زوجك والصديقات وأفراد الأسرة والطبيبة، فهم من يستطيعون تقديم العون لك ويتواجدون معك عندما يولد طفلك، إذا لزم الأمر.

تقلبات المزاج أم اكتئاب؟

من الطبيعي أن تمر الحامل بتقلبات مزاجية بسبب التغيرات الهرمونية والجسدية والتفكير في المستقبل. لكن الأطباء يميزون بين هذه التقلبات العابرة والاكتئاب من خلال عدة معايير، أهمها:

  • المدة: استمرار الأعراض معظم اليوم ولمدة أسبوعين أو أكثر.
  • الشدة: تأثيرها الواضح في القدرة على أداء المهام اليومية.
  • الشمول: فقدان الاهتمام بمعظم الأشياء التي كانت ممتعة سابقًا.
  • الأفكار السلبية: كالشعور بعدم القيمة أو اليأس.

ويُعرف هذا الاضطراب في الأدبيات الطبية الحديثة باسم الاكتئاب المحيط بالولادة، لأنه قد يبدأ أثناء الحمل أو بعد الولادة.

عوامل قد تزيد خطر الإصابة

  1. وجود تاريخ سابق للاكتئاب أو القلق لدى الحامل أو في عائلتها.
  2. الحمل غير المخطط له أو الضغوط المرتبطة به.
  3. ضعف الدعم من الزوج أو الأسرة.
  4. المشكلات المالية أو الخلافات الزوجية.
  5. مضاعفات الحمل أو تجارب سابقة مؤلمة كالإجهاض.
  6. التعرض للعنف أو الإساءة.

ولا يعني وجود هذه العوامل أن الإصابة حتمية، كما أن الاكتئاب قد يصيب من لا تملك أيًا منها.

لماذا يجب عدم إهماله؟

تشير الأبحاث إلى أن الاكتئاب غير المعالج أثناء الحمل قد يؤثر في اهتمام الأم بتغذيتها ونومها ومتابعتها الطبية، وقد يرتبط بمخاطر على الحمل وعلى صحتها النفسية بعد الولادة. لذلك يوصي الأطباء بالكشف المبكر عنه ضمن متابعة الحمل الروتينية.

خيارات الدعم والعلاج

العلاج النفسي

يُعد العلاج بالكلام، كالعلاج المعرفي السلوكي والعلاج القائم على العلاقات الشخصية، من الخيارات المهمة، ويساعد على فهم الأفكار والمشاعر وتطوير طرق للتعامل معها.

الأدوية

في بعض الحالات المتوسطة أو الشديدة قد يقرر الطبيب أن فوائد بعض الأدوية تفوق مخاطرها، ويُحدد ذلك بشكل فردي بعد تقييم دقيق. ولا يجوز بدء أي دواء أو إيقافه دون استشارة الطبيب.

الدعم الذاتي

  • الحصول على قسط كاف من الراحة والنوم قدر الإمكان.
  • ممارسة نشاط بدني خفيف يسمح به الطبيب، كالمشي.
  • تناول غذاء متوازن ووجبات منتظمة.
  • التحدث مع شخص موثوق عن المشاعر.
  • الانضمام إلى مجموعات دعم الأمهات إن توفرت.

دور الزوج والأسرة

يستطيع الزوج والأسرة تقديم دعم كبير من خلال الإصغاء دون إطلاق أحكام، والمشاركة في أعباء البيت، ومرافقة الحامل إلى المواعيد الطبية، وتشجيعها على طلب المساعدة دون تهوين من مشاعرها أو تضخيم لها. فعبارة مثل يجب أن تكوني سعيدة قد تزيد شعورها بالذنب، بينما يمنحها الاحتواء والتفهم إحساسًا بالأمان.

متى تطلبين المساعدة العاجلة؟

إذا راودتك أفكار بإيذاء نفسك أو جنينك، أو شعرت بأنك غير قادرة على الاستمرار، فاطلبي المساعدة فورًا من طبيبك أو أقرب قسم طوارئ أو خط دعم نفسي في بلدك، ولا تبقي وحدك مع هذه الأفكار.

أسئلة شائعة

هل اكتئاب الحمل يعني أنني أم سيئة؟

لا، فهو حالة صحية مثل غيرها من الحالات، ولا علاقة له بحب الأم لطفلها أو قدرتها على رعايته.

هل يزول الاكتئاب تلقائيًا بعد الولادة؟

ليس دائمًا، فقد يستمر أو يزداد بعد الولادة إذا لم يُعالج، لذلك يُنصح بالمتابعة.

هل يمكن الوقاية منه؟

لا يمكن منعه دائمًا، لكن الدعم الاجتماعي والكشف المبكر والعناية بالصحة النفسية قد تقلل خطره.

خلاصة

الحزن المستمر أثناء الحمل ليس ضعفًا ولا تقصيرًا، بل حالة صحية تستحق الاهتمام والعلاج. ومع الكشف المبكر والدعم الأسري والعلاج المناسب تحت إشراف مختص، تستطيع الأم تجاوز هذه المرحلة والاستعداد لاستقبال طفلها بصحة نفسية أفضل.

يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !