التعددية الثقافية من المفاهيم التي تتردد كثيراً في النقاشات السياسية والاجتماعية والتربوية، خاصة مع تزايد الهجرة والانفتاح بين الشعوب. وهي تتعلق بالطريقة التي ينظر بها الأفراد والمجتمعات إلى التنوع الثقافي، وكيف يمكن لجماعات مختلفة في اللغة والدين والعادات أن تعيش معاً في مجتمع واحد.
في هذا المقال نوضح الفرق بين التعدد الثقافي بوصفه واقعاً والتعددية الثقافية بوصفها سياسة أو موقفاً، ونستعرض نماذج التعامل مع التنوع كالاندماج والانصهار، وتجارب بعض الدول، والانتقادات الموجهة إلى هذا المفهوم، ومفهوم الكفاءة بين الثقافات، مع نظرة إلى التنوع في العالم العربي.
مفهوم التعددية الثقافية
.jpg)
التعدد الثقافي والتعددية الثقافية
يميز الباحثون عادة بين التعدد الثقافي بوصفه حقيقة اجتماعية، أي وجود جماعات متعددة الثقافات داخل مجتمع واحد، وبين التعددية الثقافية بوصفها موقفاً فكرياً أو سياسة عامة تعترف بهذا التنوع وتقدره وتسعى إلى إدارته بطريقة تحفظ حقوق الجماعات المختلفة وهوياتها. فقد يكون المجتمع متعدد الثقافات في الواقع، لكنه لا يتبنى سياسة التعددية، بل يسعى إلى صهر الجميع في ثقافة واحدة.
الهوية المتعددة
من الأفكار المرتبطة بالتعددية الثقافية أن الإنسان المعاصر قد يحمل أكثر من انتماء في الوقت نفسه، فيكون مثلاً عربياً ومسلماً وأردنياً وطبيباً ومقيماً في بلد أجنبي، دون أن يلغي انتماء منها الآخر. ويرى أصحاب هذا الرأي أن الاعتراف بتعدد الهويات يخفف الصراعات، ويسمح للفرد بأن يكون جسراً بين الثقافات.
نماذج التعامل مع التنوع
الانصهار أو بوتقة الصهر
يقوم هذا النموذج على أن المهاجرين والأقليات يذوبون تدريجياً في الثقافة السائدة، فيتخلون عن كثير من خصوصياتهم لصالح هوية وطنية واحدة. وقد ارتبط تاريخياً بتجربة الولايات المتحدة في مراحل سابقة، وإن كان الواقع الأمريكي أكثر تعقيداً.
الاستيعاب
يطلب من الأقليات تبني لغة المجتمع وقيمه وعاداته، مع ترك ثقافتهم الأصلية في المجال الخاص أو التخلي عنها، ويعد نموذجاً أكثر صرامة في المطالبة بالتماثل.
الاندماج
يجمع بين المشاركة الكاملة في الحياة العامة للمجتمع، كتعلم اللغة الرسمية واحترام القوانين، وبين الحفاظ على الخصوصيات الثقافية والدينية. ويعده كثيرون نموذجاً وسطاً متوازناً.
طبق السلطة أو الفسيفساء
تشبيه يستخدم لوصف التعددية الثقافية، حيث تحتفظ كل ثقافة بلونها وطعمها الخاص، لكنها تشكل مع غيرها صورة واحدة متكاملة، كما تحتفظ مكونات السلطة بخصائصها داخل الطبق الواحد.
تجارب دولية
تعد كندا من أوائل الدول التي تبنت التعددية الثقافية سياسة رسمية في أوائل السبعينيات من القرن العشرين، ثم أكدتها في تشريعات لاحقة، وتبعتها أستراليا التي تحولت من سياسات تقييدية سابقة إلى سياسة متعددة الثقافات. وفي أوروبا تبنت دول مختلفة سياسات متباينة، وشهدت بعضها نقاشات حادة في العقود الأخيرة حول نجاح التعددية أو فشلها، وصرح بعض القادة الأوروبيين بانتقادات لها، بينما دافع عنها آخرون.
الإطار الدولي
اعتمدت منظمة اليونسكو في عام 2001 الإعلان العالمي بشأن التنوع الثقافي، الذي يعد التنوع الثقافي تراثاً مشتركاً للإنسانية، ويدعو إلى احترامه وحمايته، ثم تلته اتفاقية لحماية تنوع أشكال التعبير الثقافي.
فوائد التعددية الثقافية
- إثراء المجتمع بالفنون والمطابخ واللغات والأفكار المتنوعة.
- تعزيز الإبداع والابتكار من خلال تلاقي وجهات النظر المختلفة.
- حماية حقوق الأقليات وتقليل التمييز.
- تعزيز التسامح والتعايش السلمي.
- دعم الاقتصاد بالاستفادة من مهارات المهاجرين وصلاتهم بالعالم.
الانتقادات والتحديات
يوجه بعض المفكرين انتقادات إلى سياسات التعددية الثقافية، منها أنها قد تؤدي إلى انعزال الجماعات في أحياء ومجتمعات موازية لا تتواصل مع بعضها، أو أنها قد تضعف الهوية الوطنية المشتركة، أو أنها قد تستخدم أحياناً لتبرير ممارسات تتعارض مع حقوق الأفراد داخل الجماعة. ويرد المؤيدون بأن المشكلة ليست في التعددية ذاتها، بل في ضعف سياسات الإدماج الاقتصادي والتعليمي ومكافحة التمييز.
التوازن بين الوحدة والتنوع
يتفق كثير من الباحثين على أن نجاح أي مجتمع متنوع يحتاج إلى قاعدة مشتركة من القيم والقوانين والمواطنة المتساوية، إلى جانب احترام الخصوصيات الثقافية والدينية، فلا وحدة دون احترام للتنوع، ولا تنوع مستقر دون إطار جامع.
الكفاءة بين الثقافات
ظهر في علم النفس والتربية مفهوم الكفاءة بين الثقافات، ويقصد به مجموعة المعارف والمهارات والاتجاهات التي تمكن الفرد من التواصل والتعامل الفعال مع أشخاص من ثقافات مختلفة. وتشمل هذه الكفاءة الوعي بالثقافة الذاتية وتأثيرها في نظرتنا، والفضول والانفتاح على الآخرين، ومعرفة عادات الثقافات الأخرى، ومهارات الإصغاء والتفسير وتجنب الأحكام المسبقة.
كيف ننمي الكفاءة بين الثقافات؟
- تعلم لغات أخرى والتعرف على آدابها.
- القراءة عن تاريخ الشعوب وثقافاتها.
- السفر والتبادل الطلابي والعمل في فرق متنوعة.
- الإصغاء بفضول بدلاً من الحكم السريع.
- مراجعة الصور النمطية التي نحملها عن الآخرين.
التنوع في العالم العربي
عرف العالم العربي عبر تاريخه تنوعاً دينياً ولغوياً وعرقياً واسعاً، فعاش في مدنه مسلمون ومسيحيون ويهود وأتباع ديانات أخرى، وتعايش العرب مع الأمازيغ والأكراد والسريان والأرمن والتركمان وغيرهم. وقد شهدت الحضارة الإسلامية في عصور ازدهارها تفاعلاً ثقافياً كبيراً، كما في حركة الترجمة في بغداد والتعايش في الأندلس، وإن مرت المنطقة أيضاً بفترات من التوتر والصراع. ويطرح هذا التاريخ أسئلة معاصرة حول كيفية إدارة التنوع في الدولة الحديثة على أساس المواطنة.
التربية متعددة الثقافات
تعد المدرسة من أهم ميادين تطبيق التعددية الثقافية، إذ يجتمع فيها أطفال من خلفيات مختلفة. ويقصد بالتربية متعددة الثقافات تصميم المناهج والأنشطة بطريقة تعرف الطلاب بثقافات زملائهم وتاريخ الشعوب المختلفة، وتشجعهم على الحوار والاحترام المتبادل، وتواجه التنمر والتمييز على أساس اللون أو الدين أو اللغة. كما تشمل تدريب المعلمين على التعامل مع الصفوف المتنوعة، ومراعاة الطلاب الذين يتعلمون بلغة غير لغتهم الأم.
دور الإعلام
يسهم الإعلام في تشكيل صورة الجماعات المختلفة لدى الرأي العام، فقد يعزز الصور النمطية حين يربط جماعة ما بالجريمة أو التخلف، وقد يسهم في التقارب حين يقدم صوراً متوازنة وقصصاً إنسانية من ثقافات متعددة، ويتيح لأبناء الأقليات فرصة التعبير عن أنفسهم.
الحقوق اللغوية
من القضايا المرتبطة بالتعددية حق الجماعات في استخدام لغاتها وتعليمها لأبنائها، إلى جانب تعلم اللغة الرسمية، وتختلف الدول في تنظيم ذلك.
ويرى كثيرون أن اللغة جزء أصيل من الهوية لا يقل أهمية عن الدين والعادات.
أسئلة شائعة
ما الفرق بين التعدد الثقافي والتعددية الثقافية؟
التعدد الثقافي هو وجود ثقافات متعددة في المجتمع، أما التعددية الثقافية فهي الموقف أو السياسة التي تعترف بهذا التنوع وتقدره وتديره.
ما أول دولة تبنت التعددية الثقافية سياسة رسمية؟
تعد كندا من أوائل الدول التي أعلنت التعددية الثقافية سياسة رسمية في أوائل السبعينيات من القرن العشرين.
هل تعني التعددية الثقافية التخلي عن الهوية الوطنية؟
لا، فمعظم نماذجها تقوم على هوية وطنية جامعة وقوانين مشتركة، مع احترام الخصوصيات الثقافية للجماعات المختلفة.
خلاصة
التعددية الثقافية موقف من التنوع يقوم على الاعتراف بالآخر واحترام هويته، والسعي إلى التعايش دون صراع ودون انصهار قسري. وتتعدد نماذجها وتجاربها بين الدول، وتواجه انتقادات وتحديات حقيقية، لكن نجاحها يرتبط بإيجاد توازن بين الوحدة الوطنية واحترام التنوع، وبتنمية الكفاءة بين الثقافات لدى الأفراد منذ الصغر.
.png)