الاحتياجات الاساسية

يحتل مفهوم الاحتياجات الأساسية مكانة محورية في دراسات التنمية والاقتصاد والسياسات الاجتماعية، فهو يحدد الحد الأدنى من الموارد والخدمات التي يحتاجها الإنسان ليعيش حياة كريمة، ويُستخدم أداة لقياس الفقر وتصميم برامج مكافحته. وقد تطور هذا المفهوم عبر العقود من قائمة بسيطة تضم الغذاء والمأوى والملبس إلى رؤية أوسع تشمل التعليم والصحة والمشاركة.

في هذا المقال نشرح أسلوب الاحتياجات الأساسية وتعريفه، ثم نتوسع في نشأته التاريخية، وعلاقته بهرم ماسلو، ونهج القدرات لأمارتيا سن، والمؤشرات الحديثة لقياس الفقر متعدد الأبعاد، وأهم الانتقادات الموجهة إليه.

مفهوم الاحتياجات الأساسية وقياس الفقر

أسلوب الاحتياجات الأساسية لقياس معدل الفقر
لقياس معدل الفقر في دولة من الدول يجب ان نقوم بأسلوب الاحتياجات الاساسية ويعتبر من اهم الاساليب وهو الحد الادنى للمصادر المطلقة اللازمة لتحقيق الرفاهية طويلة الاجل والتي تكون عادة باعتبار السلع الاستهلاكية ، ويعتبر خط الفقر هو المقدار اللازم من الدخل للوفاء بهذه الاحتياجات وتعتبر منظمة العمل الدولية (ILO) او من قدم لنا اسلوب الاحتياجات الاساسية .

تضم القائمة التقليدية "للاحتياجات الأساسية" المباشرة كلاً من الطعام (شاملاً الماء) والمأوى والملبس، وتؤكد الكثير من القوائم الحديثة على أن الحد الأدنى من "الاحتياجات الأساسية" لا يقتصر فقط على الطعام والماء والمأوى بل يشمل أيضًا الصحة العامة والتعليم والرعاية الصحية، لذا تستخدم المنظمات المختلفة قوائم متباينة.

ترتكز أساليب أخرى ذات صلة على "الإمكانات" بدلاً من الاستهلاك وهى أساليب استقت فكرتها من عمل أمارتيا سن (Amartya Sen).

عند الحديث عن التطوير، ينصب تركيز نموذج الاحتياجات الأساسية على قياس ما يُعتقد بأنه حد الفقر الذي يمكن القضاء عليه، ولا تستثمر برامج التطوير التي تتبع أسلوب الاحتياجات الأساسية في الأنشطة الإنتاجية اقتصاديًا التي ستساعد المجتمع على تحمل أعبائه في المستقبل ولكنها تركز على تمكين المجتمع من الاستهلاك بدرجة كافية لرفعه فوق خط الفقر وتلبية احتياجاته الأساسية، لذا تتمحور هذه البرامج حول العيش بدلاً من العدالة. وعلى الرغم من هذا، فإن لأسلوب الاحتياجات الأساسية أو الأسلوب المطلق أهمية عند الحديث عن "القياس"، فقد خرج مؤتمر القمة العالمي للتنمية الاجتماعية عام 1995 في كوبنهاجن، ضمن الإعلانات الأساسية التي صدرت عنه، بأنه ينبغي على جميع دول العالم وضع معايير للفقر المطلق والفقر النسبي وتعديل السياسات الوطنية "للقضاء على الفقر المطلق بحلول تاريخ مستهدف تحدده كل دولة حسب ظروفها الوطنية.


قامت بلدية روزاريو بمقاطعة باتانجاس في الفلبين بتنفيذ خطة الإنسان والأمن البيئي ووظفت هذا المفهوم ليشكل الإستراتيجية الأساسية من خلال أسلوب الحد الأدنى للاحتياجات الأساسية لتحسين نوعية الحياة - نظام المعلومات المستند إلى المجتمع الذي فرضته الحكومة الفلبينية. وساعد هذا الأسلوب الحكومة البلدية في تحديد الأسر والمجتمعات التي لها أولوية التدخل فيها فضلاً عن اتخاذ قرارات حكيمة بشأن تخصيص صناديق التطوير الاجتماعي.

وتسمى الإجراءات المكافئة في الولايات المتحدة بمعايير الاكتفاء الذاتي أو معايير الحد المعيشي الأدنى، وعلى خلاف مستوى الفقر الفيدرالي الذي يتم حسابه بمتغير واحد على مستوى البلاد (تكلفة الغذاء)، فإن هذه النماذج تفترض أن الأسر المختلفة لديها احتياجات متباينة تعتمد على عوامل مثل عدد الأطفال في الأسرة وأعمارهم وتكلفة السكن في المنطقة التي تعيش فيها (والتي تكون في المقاطعة في العادة. ووفقًا لمبادئ الاحتياجات الأساسية، لا تتضمن هذه القياسات أية أموال زائدة للإنفاق على أوجه الترفيه أو التوفير أو سداد الديون أو أية مصاريف غير معتادة أو يتعذر تجنبها مثل إصلاح المركبات، كما أنها تفترض عمل البالغين ودفع الضرائب إلى جانب هذا فهي تشمل مصاريف جميع الإعانات المالية الحكومية والخيرية والأسرية مثل الرعاية الطبية المجانية من خلال برنامج ميديكيد، والطعام المجاني من برنامج بطاقات الطعام التابع لوزارة الزراعة الأمريكية أو بنك الطعام أو رعاية الطفل المجانية من أحد الأجداد، فكل هذه المصاريف يهملها قياس مستوى الفقر الفيدرالي الرسمي لكنها مدرجة في معيار الاكتفاء الذاتي.

يتفاوت الحد الأدنى للمصاريف حسب المنطقة، ففي عام 2006، بلغ الحد الأدنى للدخل 30.269 دولارًا أمريكيًا لأسرة من الطبقة المتوسطة تتكون من بالغ وطفلين (أحدهما في مرحلة ما قبل المدرسة والآخر في سن المدرسة) وتعيش في مقاطعة وارين شمال غربي ولاية بنسلفانيا للإنفاق على السكن ورعاية الطفل والطعام والنقل والرعاية الصحية والمصاريف الضرورية الأخرى بالإضافة إلى صافي الضرائب، وفي هذه الميزانية، تحتل رعاية الطفل النصيب الأكبر من الإنفاق، يليها السكن ثم الضرائب ثم الطعام. يبنما يلزم نفس الأسرة التي تعيش في منطقة سياتل الغنية بواشنطن 48.269 دولارًا أمريكيًا لتتمتع بالاكتفاء الذاتي وهي في هذا الموقع. وتختلف هذه الأرقام اختلافًا كبيرًا مع مستوى الفقر الفيدرالي لنفس العام والذي بلغ 16.600 دولار أمريكي لأية أسرة تتكون من ثلاثة أفراد.

النشأة التاريخية للمفهوم

برز نهج الاحتياجات الأساسية في سبعينيات القرن العشرين، حين لاحظ عدد من الاقتصاديين والمنظمات الدولية أن النمو الاقتصادي المقاس بالناتج المحلي لم يؤد وحده إلى تحسين أحوال الفقراء في كثير من الدول النامية. وقد أسهمت منظمة العمل الدولية في ترسيخ هذا النهج من خلال مؤتمرها العالمي للتشغيل في منتصف السبعينيات، كما تبنته جهات مانحة ومؤسسات تنموية أخرى، فأصبح التركيز على توفير الغذاء والماء والسكن والتعليم والصحة مباشرة للفئات الأشد حاجة.

من الدخل إلى الرفاه

مثّل هذا التحول انتقالًا من النظر إلى التنمية بوصفها زيادة في الإنتاج والدخل إلى النظر إليها بوصفها تحسينًا لحياة الناس الفعلية. ومهد ذلك لظهور مفاهيم لاحقة مثل التنمية البشرية والتنمية المستدامة.

علاقة المفهوم بهرم ماسلو

في علم النفس اقترح أبراهام ماسلو ترتيبًا هرميًا للحاجات الإنسانية، تأتي في قاعدته الحاجات الفسيولوجية كالطعام والماء والنوم، ثم الحاجة إلى الأمان، فالحاجة إلى الانتماء والحب، ثم التقدير، وفي القمة تحقيق الذات. ورغم أن نظرية ماسلو جاءت من حقل مختلف، فإنها تلتقي مع نهج الاحتياجات الأساسية في التأكيد على أن تلبية الحاجات الأولية شرط لتمكين الإنسان من التطلع إلى ما هو أعلى. وقد انتقد باحثون لاحقون الترتيب الصارم للهرم، مشيرين إلى أن الناس قد يسعون إلى عدة حاجات في الوقت نفسه.

نهج القدرات

طور الاقتصادي الهندي أمارتيا سن، الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد، ما يُعرف بنهج القدرات، الذي يرى أن المهم ليس ما يملكه الإنسان من سلع، بل ما يستطيع فعله وأن يكونه فعلًا. فامتلاك الدخل نفسه قد يحقق حياة مختلفة لشخصين بحسب صحتهما وبيئتهما وفرصهما. ومن هذا المنظور يصبح الفقر حرمانًا من القدرات الأساسية، كالقدرة على التغذي الجيد والتعلم والمشاركة في حياة المجتمع. وقد طورت الفيلسوفة مارثا نوسباوم هذا النهج بقائمة من القدرات المركزية.

دليل التنمية البشرية

استلهم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هذه الأفكار في إطلاق تقرير التنمية البشرية ودليلها مطلع التسعينيات، وهو مؤشر يجمع بين الصحة مقاسة بمتوسط العمر المتوقع، والتعليم، ومستوى المعيشة، ليقدم صورة أشمل من الدخل وحده.

قياس الفقر متعدد الأبعاد

في العقود الأخيرة ظهر مؤشر الفقر متعدد الأبعاد الذي طورته مبادرة أكسفورد للفقر والتنمية البشرية بالتعاون مع البرنامج الإنمائي، ويقيس الحرمان المتزامن في مجالات مثل التعليم والصحة ومستوى المعيشة، بما في ذلك الحصول على الكهرباء والمياه النظيفة والصرف الصحي ووقود الطهي. ويتيح هذا المؤشر معرفة من هم الفقراء وكيف يعانون الفقر، لا مجرد عددهم، مما يساعد على توجيه السياسات بدقة أكبر.

  • الفقر المطلق: عدم القدرة على تلبية الحد الأدنى من الحاجات الضرورية للبقاء والعيش الكريم.
  • الفقر النسبي: انخفاض مستوى المعيشة مقارنة بمتوسط المجتمع الذي يعيش فيه الفرد.
  • الفقر متعدد الأبعاد: الحرمان المتزامن في عدة جوانب غير الدخل.

انتقادات وتحديات

  1. صعوبة التحديد: ما يعد حاجة أساسية قد يختلف بين المجتمعات والثقافات والعصور.
  2. خطر الأبوية: قد تفرض الجهات المانحة تصوراتها عن الحاجات دون إشراك المجتمعات المعنية.
  3. إهمال الإنتاج: ركزت بعض البرامج على الاستهلاك المؤقت دون بناء قدرات إنتاجية مستدامة.
  4. جوانب غير مادية: كالكرامة والحرية والمشاركة السياسية، وهي صعبة القياس لكنها جوهرية.

ومع ذلك يبقى المفهوم حاضرًا في أهداف التنمية المستدامة التي اعتمدتها الأمم المتحدة عام 2015، والتي يتصدرها القضاء على الفقر والجوع وضمان الصحة والتعليم والمياه النظيفة للجميع.

الاحتياجات الأساسية في العالم العربي

تواجه دول عربية عديدة تحديات متفاوتة في تلبية الحاجات الأساسية لسكانها، تتصل بندرة المياه، والنزاعات المسلحة والنزوح، والبطالة بين الشباب، وارتفاع تكاليف السكن. وتعتمد الحكومات على أدوات متنوعة، منها دعم السلع الغذائية والطاقة، وبرامج التحويلات النقدية للأسر الفقيرة، والتأمين الصحي الاجتماعي، ومجانية التعليم الأساسي.

أسئلة شائعة

ما الاحتياجات الأساسية التقليدية؟

الغذاء بما فيه الماء، والمأوى، والملبس، وتضيف القوائم الحديثة الصحة والتعليم والصرف الصحي.

ما الفرق بين خط الفقر ونهج القدرات؟

خط الفقر يقيس الدخل اللازم لشراء سلة من الحاجات، أما نهج القدرات فيركز على ما يستطيع الإنسان فعله وتحقيقه في حياته.

لماذا لا يكفي الدخل لقياس الفقر؟

لأن الأسرة قد تملك دخلًا معقولًا لكنها محرومة من خدمات عامة كالتعليم الجيد أو المياه النظيفة أو الرعاية الصحية.

خلاصة

انطلق مفهوم الاحتياجات الأساسية من سؤال بسيط عما يحتاجه الإنسان ليعيش بكرامة، ثم تطور مع نهج القدرات ومؤشرات التنمية البشرية والفقر متعدد الأبعاد إلى رؤية أشمل للرفاه. ورغم الانتقادات، يظل أداة مهمة لفهم الحرمان وتصميم سياسات عادلة تضع الإنسان في قلب التنمية.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !