شكّل الاستعمار البريطاني في الوطن العربي واحدة من أطول التجارب الاستعمارية وأعمقها أثراً، إذ امتد نفوذ بريطانيا من سواحل الخليج واليمن إلى مصر والسودان والعراق وفلسطين وشرق الأردن، بأشكال تراوحت بين الاحتلال المباشر والحماية والانتداب.
وبعد استعراض مراحل الوجود البريطاني في الأقطار العربية المختلفة، يتناول هذا المقال دوافع ذلك التوسع، وأدوات السيطرة التي اعتمدت عليها لندن، ومسار الاستقلال الوطني، والآثار السياسية والاقتصادية التي ما زالت المنطقة تعيش بعض نتائجها.
مراحل الوجود البريطاني في الأقطار العربية
ظل الاستعمار البريطاني نحو مائة وخمسين عاما يحكم منطقة الخليج العربية، وخاصة امارات ساحل عمان ، وكانت بريطانيا تستند في حكم هذه المناطق إلى اتفاقيات فرضتها السلطات البريطانية على هذه المناطق بعد احتلالها ، والقضاء على قوتها البحرية والبرية ، وتولت فيها الاشراف على شؤون الدفاع والشؤون الخارجية وحق التصرف في ثرواتها ، والتحكم في أي اتصال يتم بينها وبين البلاد الأخرى ، كما ساعدت على تنمية مشكلات الحدود والنزعات القبلية واثارة الخلاف بين المشيخات واتخاذ ذلك وسيلة للسيطرة الاستعمارية في المنطقة. كانت الذريعة التي تذرعت بها بريطانيا في احتلال منطقة الخليج العربي هي تأمين مصالحها في الهند درة التاج البريطاني في ذلك الوقت،
بعد نجاح بريطانيا في القضاء على النفوذين البرتغالي والهولندي في منطقة الخليج العربي, عقدت أول معاهدة ذات طابع سياسي مع سلطان أحمد (سلطان مسقط) سنة 1798 م, ولم يكد القرن التاسع عشر ينتهي حتى كانت بريطانيا قد عززت نفوذها في الخليج العربي حيث ارتبطت جميع إمارات الساحل العربي وهي والبحرين وقطر والكويت بمعاهدات سياسية مع بريطانيا كما أخضعت الساحل العماني لنفوذها عام 1820 م. بدأت بريطانيا نفوذها في اليمن باحتلال جزيرة بريم في مدخل البحر الأحمر سنة 1799 م, ونظرا لأهمية عدن كمفتاح البحر الأحمر قامت عام 1839 م باحتلالها بعد مقاومة عنيفة من السكان. كانت أول محاولة لبريطانيا في احتلال مصر عام 1807 م, عندما أرسلت حملة فريزر. إلا أنها هزمت أمام مقاومة الشعب المصري, وفي سنة 1882 م انتهزت بريطانيا فرصة أحداث الثورة العرابية واحتلت مصر عسكريا لفترة أنتهت في 1923 بصدور دستور 1923 ثم دخلت مصر .دخلت القوات البريطانية السودان الذي كان يتبع مصر إداريا منذ ايام محمد علي باشا، بقيادة الجنرال كتشنر، الذي واجه مقاومة كبيرة من رجال القبائل بقيادة محمد المهدي عام 1898.
اما الصومال فكان البدء مع قدوم قوافل الاحتلال البريطاني للجزء الشمالي من الصومال المعروف حاليا بجمهورية أرض الصومال الغير معترف بها في الأوساط العالمية سنة 1884 م والتي استقلت في 1960. هاجمت قوات الاحتلال البريطاني سنة 1904 قوات الدراويش التابعة للزعيم الصومالي "سيد محمد بن عبد الله" الذي كان يلقبه البريطانيون ب"الملا المجنون"، وتوقع إصابات بالغة بين قواته. وقد استمر الملا في محاربة الاستعمار البريطاني للصومال حتى سنة 1920 عندما لجأت بريطانيا إلى الطيران لقصف مواقع الثوار، ثم جاءت وفاة الملا لتضع حدا لثورته الإسلامية.
اما العراق فقد أدركت بريطانيا أهمية العراق بالنسبة لمواصلاتها إلى الهند، وزاد اهتمامها به بعد اكتشاف النفط فيه، فدخلت قواتها العراق واحتلت مدينة البصرة سنة 1914م، ثم دخلت قواتها مدينة الكوت سنة 1916م، واستطاعت دخول بغداد واحتلالها سنة 1917م بقيادة الجنرال ستانلي مود، ودخلت فيما بعد الموصل عام 1918 بدون قتال. ظلت بريطانيا تسيطر على العراق تحت اسم الانتداب البريطاني. حدثت في العراق عدة ثورات ضد الإنكليز ومنها ثورة العشرين سنة 1920م، وثورة مايس سنة 1941م. ظل التواجد البريطاني مهيمناً على العراق في ظل الحكم الملكي حتى اندلاع ثورة 14 تموز 1958 حيث ألغيت الملكية في البلاد، واُعلنت الجمهورية بقيادة عبد الكريم قاسم.
اما فلسطين فقد ظهر الاهتمام البريطاني في فلسطين خصوصا والمنطقه العربية عموما بعد حملة نابليون على مصر وفلسطين وفشلها، فتحت بريطانيا أول قنصلية لها بالقدس في ظل الحكم العثماني عام 1838 مستفيده من قوانين الإصلاح العثماني وكان من اهتماماتها العناية باليهود من اجل إنشاء كيان لهم في المنطقه الجغرافية الفاصلة بين الوطن العربي بشقية الآسيوي والأفريقي وهي فلسطين، وقد عمدت بريطانيا إلى إعطاء وعد بلفور والعمل على تنفيذة لتحقيق عده اهداف:اولا كانت تراقب العلاقه الألمانية العثمانية وحصولها على امتياز خط سكه الحديد بين برلين والعراق فرأت بريطانيا بذلك تهديد للطرق المؤدية إلى مستعمراتها في الخليج العربي والهند ومصر.ثانيا اردت بريطانيا زرع جسم غريب يفصل بين أفريقيا وآسيا لضمان عدم قيام وحده عربية قوية ثم لضمان وجودها على قناة السويس.
ونظرا لأهمية فلسطين الدينية ولما لها من موقع جغرافي مميز تربط فيه القارة الآسيوية بالأفريقية بالإضافة لأطلالها على البحر المتوسط ووجود موانئ كبيرة فيها مثل حيفا لتصدير النفط من الحقول العراقية، قامت بريطانيا باحتلال فلسطين، ودخلت مدينة غزة في بادئ الأمر عبر مصر، بعد معارك مع القوات العثمانية، ثم بئر السبع ويافا، إلى أن دخلت القدس عام 1917 بقيادة الجنرال اللنبي. وأعلن الانتداب البريطاني رسميا على فلسطين في مايو 1921 والذي استمر لغاية مايو 1948، وضمت له منطقة شرق الأردن (لكنها لم تُشمل بمادئ الانتداب أو وعد بلفور). ثار الشعب الفلسطيني ضد كل من الإنجليز وموجات المهاجرين اليهود، وقامت عدة ثورات كبرى كان من أهمها ثورة وإضراب عام 1936 والذي استمر ثلاث سنوات متتالية. انتهى الانتداب البريطاني على فلسطين بأعلان دولة إسرائيل في 14 مايو 1948، والذي كان يهيئ لولادة هذا الكيان على أرض فلسطين طيلة سنوات الانتداب وماقبلها.
اما الاردن فقد حرصت بريطانيا على أن يكون شرق الأردن من نصيبها عند تقسيم مناطق النفوذ في ((مؤتمر سان ريمو)) عام 1920 م, فأقامت بها إمارة شرق الأردن وعلى رأسها الأمير عبد الله بن الحسين سنة 1921 ودخلت بوتقة الانتداب البريطاني سنة 1923....
المغرب قامت بريطانيا باحتلال مدينة طنجة الاستراتيجية شمال المغرب ومنطقة جبل طارق لتمكينها من السيطرة على المنفذ الغربي للبحر الأبيض المتوسط. احتلت بريطانيا مدينة عدن لمدة 120 عاماً وتوسع الاحتلال خلال تلك الفترة ليشمل بمعاهدات حماية جميع مناطق اليمن الجنوبي .
دوافع التوسع البريطاني في المنطقة
لم يكن اهتمام لندن بالعالم العربي وليد مصادفة، بل ارتبط بجملة من المصالح الاستراتيجية والاقتصادية، أبرزها:
- حماية الطريق إلى الهند: كانت الهند أهم مستعمرات الإمبراطورية، فأصبح تأمين الممرات البحرية في الخليج والبحر الأحمر أولوية قصوى.
- قناة السويس: بعد افتتاحها عام 1869 صارت أقصر طريق بين أوروبا وآسيا، وقد اشترت الحكومة البريطانية حصة مصر في أسهم القناة عام 1875، فزادت أهمية مصر في حساباتها.
- النفط: مع بدايات القرن العشرين تحول النفط إلى مورد حيوي للأساطيل والصناعة، فتضاعف الاهتمام بالعراق والخليج.
- التنافس الأوروبي: سعت بريطانيا إلى منع فرنسا وروسيا وألمانيا من بسط نفوذها على هذه المنطقة الحساسة.
أدوات السيطرة وأشكال الحكم
تنوعت الصيغ التي اعتمدتها الإدارة البريطانية بحسب طبيعة كل قطر وظروفه:
معاهدات الحماية
طُبقت خاصة في مشيخات الخليج، حيث تعهد الحكام بعدم إقامة علاقات مع دول أخرى أو التنازل عن أراض إلا بموافقة بريطانيا، مقابل حمايتها، مع بقاء الشؤون الداخلية بيد الأسر الحاكمة إلى حد بعيد.
الاحتلال العسكري والإدارة المباشرة
كما في عدن التي أصبحت مستعمرة تابعة للتاج، وفي مصر بعد عام 1882 حين ظل المعتمد البريطاني صاحب الكلمة العليا رغم بقاء الخديوي.
نظام الانتداب
بعد الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية، أقرت عصبة الأمم نظام الانتداب، فتولت بريطانيا إدارة العراق وفلسطين وشرق الأردن. وقد سبق ذلك تفاهم سري مع فرنسا عُرف باتفاقية سايكس بيكو عام 1916 لتقاسم المشرق العربي، وهو ما تعارض مع الوعود التي قُدمت للشريف حسين بن علي في مراسلاته مع المندوب البريطاني هنري مكماهون.
مسار الاستقلال الوطني
واجهت الشعوب العربية الهيمنة البريطانية بالثورات والحركات الوطنية والعمل السياسي، وجاء الاستقلال على مراحل متفاوتة:
- مصر: أعلنت بريطانيا عام 1922 إنهاء الحماية مع الاحتفاظ بتحفظات واسعة، ثم جاءت معاهدة 1936، وانتهى الوجود العسكري في منطقة القناة بعد اتفاقية الجلاء عام 1954 التي اكتمل تنفيذها عام 1956.
- العراق: انتهى الانتداب رسمياً عام 1932 وانضم إلى عصبة الأمم، مع بقاء نفوذ بريطاني قوي حتى عام 1958.
- الأردن: نال استقلاله عام 1946، ثم أنهى المعاهدة الأردنية البريطانية عام 1957.
- السودان: استقل عام 1956 بعد عقود من الحكم الثنائي المصري البريطاني.
- الكويت: ألغيت معاهدة الحماية عام 1961.
- جنوب اليمن: خرجت القوات البريطانية من عدن عام 1967 بعد كفاح مسلح.
- البحرين وقطر والإمارات: انتهت المعاهدات مع الانسحاب البريطاني من شرق السويس عام 1971.
وتجدر الإشارة إلى أن المواجهة الكبرى في السودان عام 1898 في معركة كرري قرب أم درمان كانت ضد قوات الخليفة عبد الله التعايشي، خليفة محمد أحمد المهدي الذي توفي عام 1885.
الآثار السياسية والاقتصادية
ترك هذا العهد إرثاً معقداً، فمن جهة أُنشئت بعض المؤسسات الإدارية والتعليمية وشبكات النقل، ومن جهة أخرى رُسمت حدود سياسية لم تراعِ أحياناً الروابط القبلية والجغرافية، ونشأت نزاعات حدودية امتدت عقوداً. كما وُجهت الاقتصادات المحلية لخدمة مصالح المركز، وكانت القضية الفلسطينية أبرز نتائج سياسة الانتداب وأكثرها إيلاماً.
أسئلة شائعة
ما الفرق بين الحماية والانتداب؟
الحماية اتفاق بين بريطانيا وحاكم محلي تتولى بموجبه الدفاع والشؤون الخارجية، أما الانتداب فصيغة أقرتها عصبة الأمم بعد الحرب العالمية الأولى لإدارة أقاليم يُفترض تهيئتها للاستقلال.
هل خضعت عُمان للاستعمار المباشر؟
لم تصبح سلطنة مسقط وعُمان مستعمرة رسمية، لكنها ارتبطت بمعاهدات وعلاقات وثيقة جعلت للنفوذ البريطاني فيها حضوراً كبيراً.
متى انتهى الوجود البريطاني في الخليج؟
انتهى رسمياً عام 1971 مع إلغاء المعاهدات واستقلال البحرين وقطر وقيام دولة الإمارات العربية المتحدة.
خلاصة
امتدت الهيمنة البريطانية على أجزاء واسعة من العالم العربي بدافع حماية طرق الهند وقناة السويس والنفط، واعتمدت على الحماية والاحتلال والانتداب. وقد قاومتها الشعوب حتى تحقق الاستقلال تباعاً بين عشرينيات القرن العشرين وسبعينياته، لكن آثارها في الحدود والسياسة والاقتصاد ما زالت حاضرة.