
تعريف الحرب الهجومية
الحرب الهجومية هي نوع من أنواع الحرب التي تقوم بها دولة بمهاجمة دولة أو كيان آخر في محاولة من الكيان الأول لإحباط مخطط معين من قبل الدولة أو الكيان الآخر أو بهدف تدمير قدرات عسكرية ومواقع استراتيجية قد تُستخدم ضد هذه الدولة في المستقبل. كما يمكن تصنيف أي هجوم على دولة أو كيان لمنعه من امتلاك بعض أنواع الأسلحة مثل الأسلحة الكيميائية أو النووية من قبيل الحرب الهجومية. وينطبق على هذا النوع من الحروب قاعدة الهجوم خير وسيلة للدفاع.
الفلسفة العسكرية وراء الحرب الهجومية
تقوم الحرب الهجومية على مبدأ استراتيجي مركزه أن المبادرة بالهجوم تُتيح للدولة المهاجمة فرض شروطها على العدو وتحديد مكان وزمان المعركة بدلاً من انتظار الهجوم والرد عليه. وهذا المبدأ يُخالف فكرة الحرب الدفاعية التي تقوم على صد العدوان بعد وقوعه. ورغم أن القانون الدولي يُميل إلى تحريم الحروب العدوانية فإن الواقع العسكري والسياسي يُظهر أن الدول الكبرى لا تزال تعتمد الحرب الهجومية كأداة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.
ويرى منظّرو الاستراتيجية العسكرية أن الحرب الهجومية تمنح المهاجم ثلاث مزايا رئيسية هي اختيار وقت ومكان الهجوم وبناء التفوق العسكري في النقطة المختارة وإجبار العدو على التفاعل وفقاً لخطط المهاجم لا وفقاً لخططه هو. غير أن هذه المزايا لا تضمن النصر دائماً إذ قد يتحول الهجوم إلى استنزاف طويل الأمد إذا لم يُحقق أهدافه السريعة.
أشكال الحرب الهجومية
تتعدد أشكال الحرب الهجومية وتختلف باختلاف الأهداف والوسائل والنطاق الجغرافي ويمكن تصنيفها إلى عدة أنماط رئيسية.
الهجوم الاستباقي
الهجوم الاستباقي هو ضربة عسكرية تُوجه إلى عدو يُعتقد أنه على وشك الهجوم وذلك لتحييد تهديده قبل أن يتمكن من تنفيذ خطته. ويختلف الهجوم الاستباقي عن الهجوم الوقائي في أن التهديد يكون وشيكاً وواضحاً ولا يترك خياراً آخر غير التصرف فوراً. ومن الأمثلة النموذجية على الهجوم الاستباقي الهجمات الجوية التي تُوجه لتدمير قواعد صواريخ أو مطارات عسكرية في اللحظات التي تسبق هجوماً متوقعاً من العدو.
الهجوم الوقائي
الهجوم الوقائي هو ضربة عسكرية تُوجه إلى عدو لا يشكل تهديداً وشيكاً لكنه يُمثل خطراً محتملاً في المستقبل البعيد. والهدف منه تحييد قدرات العدو قبل أن تتحول إلى تهديد حقيقي يصعب مواجهته. وقد أثارت هذه الفكرة جدلاً واسعاً في الأوساط الدولية لأنها تُبرّر الهجوم على دول لم تقم بأي عمل عدواني بعد استناداً إلى تقديرات استخباراتية قد تكون غير دقيقة.
الحرب الاستباقية المضادة للانتشار
يُصنّف أي هجوم يهدف إلى منع دولة أو كيان من امتلاك أسلحة الدمار الشامل سواء كانت نووية أو كيميائية أو بيولوجية من قبيل الحرب الهجومية المضادة للانتشار. ويُبرّر هذا النوع من الهجوم بحماية الأمن الإقليمي والدولي من خطر الأسلحة المحظورة. وقد شهد التاريخ الحديث عدة عمليات من هذا النوع أبرزها الضربات التي استهدفت مفاعلات نووية ومنشآت مشبوهة في دول مختلفة.
أمثلة تاريخية على الحروب الهجومية
شهد التاريخ الحديث عدة حروب هجومية بارزة اختلفت فيها دوافع الهجوم وأهدافه ونتائجه.
الهجوم الأمريكي على العراق وأفغانستان
من أبرز الأمثلة على الحرب الهجومية في العصر الحديث الهجوم الأمريكي على العراق عام ألفين وثلاثة والهجوم على أفغانستان عام ألفين وواحد. في حالة العراق قادت الولايات المتحدة تحالفاً دولياً لغزو العراق بدعوى امتلاكه أسلحة دمار شامل وتهديده للأمن الإقليمي والدولي. وأفغانستان فقد هُوجمت بحجة استضافة حركة طالبان لتنظيمات مسلحة تهدد الأمن الأمريكي والدولي. وقد أثارت كلتا الحربين جدلاً دولياً واسعاً حول مدى مشروعيتهما وحول دقة المعلومات الاستخباراتية التي بُنيت عليها حجة الهجوم خاصة بعد ثبوت عدم وجود أسلحة دمار شامل في العراق.
الضربات على منشآت في السودان وسوريا
قامت إسرائيل عدة مرات بتنفيذ ضربات هجومية استهدفت منشآت في السودان وسوريا. وفي الحالة السودانية استُهدفت مصانع وقود ومنشآت مشتبهة بتوريد أسلحة لحركات مسلحة. أما في سوريا فقد استُهدفت منشآت عسكرية ومفاعلات يُشتبه في أنها مرتبطة ببرامج أسلحة غير تقليدية أو بتنظيمات مدعومة من إيران. وتُعدّ هذه الضربات مثالاً على الحرب الهجومية الوقائية التي تسعى عبرها الدول لتحييد تهديدات محتملة قبل أن تتحول إلى خطر حقيقي على أمنها القومي.
القانون الدولي والحرب الهجومية
يُعدّ ميثاق الأمم المتحدة الحجر الأساس في تنظيم استخدام القوة في العلاقات الدولية إذ يحظر المادة الثانية من الميثاق استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأي دولة. غير أن الميثاق يستثني حالتين هما حق الدفاع عن النفس المنصوص عليه في المادة الحادية والخمسين والحالات التي يُجيزها مجلس الأمن بموجب الفصل السابع. وهذا يعني أن الحرب الهجومية البحتة من دون تفويض دولي أو مبرر دفاعي تُعدّ انتهاكاً للقانون الدولي.
ورغم هذا التحريم القانوني فإن الواقع الدولي يُظهر أن الدول الكبرى تستخدم تفسيرات موسّعة لمفهوم الدفاع عن النفس لتبرير عمليات هجومية تتجاوز الحدود الضيقة التي قصدها واضعو الميثاق. كما أن حق النقض الممنوح للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن يُحول دون إصدار قرارات تدين تلك الدول أو حلفاءها مما يُضعف فعالية المنظومة القانونية الدولية في ردع الحروب الهجومية.
الآثار المترتبة على الحرب الهجومية
تُخلّف الحروب الهجومية آثاراً مدمّرة تمتد على مستويات متعددة تشمل الأبعاد الإنسانية والاقتصادية والسياسية والبيئية. فعلى الصعيد الإنساني يُسفر الهجوم عن سقوط ضحايا مدنيين وتشريد ملايين البشر وتدمير البنية التحتية الأساسية كالمستشفيات والمدارس وشبكات المياه والكهرباء. وعلى الصعيد الاقتصادي تُعاني الدولة المعتدى عليها من خسائر تُقدّر بمليارات الدولارات بينما تتحمل الدولة المهاجمة أعباء مالية ضخمة لتمويل العمليات العسكرية وإعادة الإعمار لاحقاً.
أما على الصعيد السياسي فكثيراً ما تُؤدي الحروب الهجومية إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي وخلق فراغات أمنية تستغلها التنظيمات المسلحة كما حدث في العراق بعد غزوه عام ألفين وثلاثة. كما قد تُؤدي الحروب الهجومية إلى توتر العلاقات الدولية ودخول العالم في سباقات تسلح جديدة تُستنزف موارد الدول وتُهدد السلم الدولي.
الحرب الهجومية مقابل الحرب الدفاعية
يكمن الفرق الجوهري بين الحرب الهجومية والحرب الدفاعية في بادرة البدء بالقتال واتجاه الحركة العسكرية. ففي الحرب الدفاعية تنتظر الدولة المعتدى عليها هجوم العدو ثم ترد عليه بصده أو بضربة مضادة بينما في الحرب الهجومية تبادر الدولة بالمهاجمة لفرض أهدافها بالقوة. ورغم هذا الاختلاف فإن الحربين ليستا متعارضين تماماً إذ يمكن أن تتحول الحرب الدفاعية إلى هجومية بعد نجاح القوات المدافعة في صد الهجوم الأول واستعادة المبادرة لتنفيذ هجوم مضاد.
وقد تباينت الآراء العسكرية عبر التاريخ حول أي النوعين أفضل. فمدرسة كلاوزفيتز تُرجّح الهجوم لأنه يمتلك القوة المعنوية للمبادرة بينما رأى استراتيجيون آخرون أن الدفاع أقوى بطبيعته لأن القوة الدفاعية تستفيد من معرفة الأرض واستعدادها وحماسها لحماية أرضها. وفي الواقع العملي تعتمد فعالية كل نوع على توازن القوى والظروف الجغرافية والسياسية والتكنولوجية السائدة.
متطلبات النجاح في الحرب الهجومية
لا تنجح الحرب الهجومية بمجرد اتخاذ قرار الهجوم بل تتطلب مجموعة من المتطلبات الأساسية. أولها التفوق العسكري أو على الأقل التفوق المحلي في القطاع الذي يُشنّ فيه الهجوم وثانيها الاستخبارات الدقيقة التي تُتيح معرفة نقاط ضعف العدو وتوزيع قواته وثالثها سرعة التنفيذ لمنح العدو أقل فرصة ممكنة للاستجابة وترتيب دفاعاته ورابعها خطوط الإمداد والتموين التي تضمن استمرار تقدم القوات المهاجمة.
كما تلعب العوامل السياسية والدبلوماسية دوراً محورياً في نجاح الحرب الهجومية إذ يحتاج المهاجم إلى تأمين تحالفات دولية تدعم موقفه أو على الأقل لا تعارضه كما يحتاج إلى بناء تأييد شعبي داخلي يتحمل تكاليف الحرب البشرية والمادية. وتُظهر التجربة التاريخية أن الحروب الهجومية التي تفتقر إلى أي من هذه المتطلبات غالباً ما تنتهي بالفشل أو بالاستنزاف الممتد.
.png)