في أقصى شمال شرق إثيوبيا تمتد أرض تبدو كأنها من كوكب آخر: سهول ملحية بيضاء، وينابيع حارة بألوان صفراء وخضراء وبرتقالية، وبراكين تتوهج فوهاتها بالحمم. إنه منخفض داناكيل أو منخفض عفار، الذي يوصف بأنه من أشد الأماكن حرارة على سطح الأرض وأكثرها قسوة على الحياة.
وبعد عرض المعلومات الأساسية الواردة في المقال الأصلي، نتعرف على الموقع الجيولوجي الفريد لهذا المنخفض في مثلث عفار، وأبرز معالمه كمنطقة دالول وبركان إرتا آلي، وحياة شعب العفر وتجارة الملح، وأهميته للعلماء في دراسة نشأة المحيطات وحدود الحياة.
معلومات عن منخفض عفار وحرارته
.jpg)
يتميز هذا المكان بأنهاشد الاماكن سخونة بالعالم وسبب هذه السخونة هو البركان الذي يقع في ذلك المنخفض تعرف على هذا المكان اكثر.
منخفض عفار أو دانكيل و بالإنجليزية The Danakil Depression:
يقع هذا المنخفض في أثيوبيا ، و يعتبر من أكثر الامكان صعوبة في الزيارة نظراً للتضاريسة التي يصعب تسلقها و السير عليها ، غير أن درجة الحرارة في ذلك المكان تصل في المتوسط إلى 34 درجة مئوية أو ما يعادل 94 درجة فهرنهايت وهذا هو المتوسط على مدار العام و فوق السطح اما كلما اتجهت للاسفل تزداد الحرارة أكثر مما يجعل من هذا المكان هو الأكثر سخونة على الأرض .
الحرارة في هذا المكان لا تأتي من الجو ولكنها من فعل البركان الذي يقع في ذلك المنخفض وأيضا من فعل الحمم البركانية والينابيع الغنية بلأملاح المعدنية، و ليست درجات الحرارة المرتفعة فقط ما تجعل ذلك المكان فريد من نوعه ، فهو يضم أيضا واحد من اكثر البراكين نشاطا في العالم وهو السبب في الحرارة المرتفعه في عفار أثيوبيا ، كما إن هذا البركان يتميز بإنه يقع على عمق 120 مترا أو 395 قدما تحت مستوى سطح البحر .
و منذ حوالى حوالي 30،000 سنة مضت أمضت تلك المنقطه فترة طويلة مغمورة تحت سطح الماء وعندما نشط البركان تحت سطح الماء تكت تلك الطبقه من الجدران و انحجب عنها الماء وظلت تلك المنطقه بها العديد من الرواسب و الأملاح بسبب تلك المدة التي امضتها تحت المياة . وبفعل تلك المدة التي ظلت بها تلك المنطقه تحت المياة تجدها الأن تحتوي على بعض من الملح و هو بقايا من مياة البحار التي تبخرت وتركت وراءها الرواسب المعدنية من الصوديوم والكالسيوم والمغنيسيوم والبوتاسيوم و المادة التي تنتشر في تلك المنطقه و بكثرة هي البوتاسيوم ، وهذا ما يجعل من منطقه عفار باثيوبيا واحدة من الأماكن النادرة على الأرض حيث يمكن أن تحصد فيها البوتاسيوم فوق سطح الأرض . و تقوم المياة الجوفية والينابيع الساخنه بدفع المعادن إلي السطح ومن ثم تجف المياة وتجد تلك المعادن تشكل العديد من الإنماط الجميلة وسريالية.
هذه الصورة تظهر لك اللوان عديدة تتكون بسبب الملح والمعادن الذي مع مرور الوقت، يتفاعل مع الأكسجين لإنتاج الألوان الرائعة مثل الأصفر:
.jpg)
.jpg)
الموقع الجغرافي والجيولوجي
يقع منخفض داناكيل في إقليم عفر شمال شرق إثيوبيا قرب الحدود مع إريتريا، وهو جزء من منطقة أوسع تسمى مثلث عفار تمتد إلى إريتريا وجيبوتي. وتنخفض أجزاء واسعة منه عن مستوى سطح البحر، مما يجعله من أخفض المناطق اليابسة في أفريقيا. ويحيط به من الغرب جدار الهضبة الإثيوبية المرتفعة، ومن الشرق مرتفعات داناكيل التي تفصله عن البحر الأحمر.
ملتقى الصدوع الثلاثة
تكمن أهمية المنطقة الجيولوجية في أنها نقطة التقاء ثلاثة صدوع كبرى: صدع البحر الأحمر، وصدع خليج عدن، والصدع الأفريقي العظيم الذي يمتد جنوباً عبر شرق أفريقيا. وتتباعد الصفائح التكتونية هنا ببطء، فتترقق القشرة الأرضية وتقترب الصهارة من السطح، وهذا ما يفسر كثرة البراكين والزلازل والينابيع الحارة. ويرى الجيولوجيون أن استمرار هذا التباعد عبر ملايين السنين قد يؤدي إلى دخول مياه البحر إلى المنطقة وتكون حوض محيطي جديد، ولذلك تعد مختبراً طبيعياً لدراسة المراحل الأولى من نشأة المحيطات.
أبرز معالم المنخفض
منطقة دالول الحرمائية
تعد دالول أشهر معالم المنخفض وأكثرها غرابة، وهي منطقة حرمائية تقع فوق مخروط بركاني مدفون تحت طبقات الملح. وتخرج فيها مياه جوفية شديدة الحرارة محملة بالأملاح والمعادن والكبريت، فتتشكل برك حمضية ومدرجات ملحية وأعمدة صغيرة بألوان زاهية تتغير بحسب المعادن ودرجة الأكسدة، ومنها الأصفر والأخضر والأحمر والبني. وكثيراً ما يذكر أن دالول سجلت في القرن العشرين متوسطات حرارة سنوية من الأعلى بين الأماكن المأهولة على الأرض.
بركان إرتا آلي
إرتا آلي بركان درعي يقع في المنخفض، ويعني اسمه بلغة العفر الجبل الذي يدخن، وقد اشتهر ببحيرة الحمم التي ظلت متوهجة في فوهته فترات طويلة، وهي ظاهرة نادرة لا توجد إلا في عدد قليل من البراكين حول العالم. ويقصده المغامرون والعلماء رغم صعوبة الوصول إليه وقسوة الظروف المحيطة به.
البحيرات المالحة
توجد في المنخفض بحيرات شديدة الملوحة مثل بحيرة أفريرا وبحيرة كاروم، وتغذيها مياه جوفية وينابيع، وتتبخر مياهها بسرعة تحت الشمس الحارقة فتترسب الأملاح على ضفافها في طبقات بيضاء واسعة.
المناخ القاسي
يجمع المنخفض بين انخفاض الارتفاع عن سطح البحر وموقعه في منطقة جافة وقربه من مصادر الحرارة البركانية، فتصل درجات الحرارة نهاراً إلى مستويات مرتفعة جداً، خاصة في أشهر الصيف، بينما تبقى الأمطار شحيحة معظم العام. وتزيد الأبخرة الكبريتية والغازات المنبعثة من الينابيع من صعوبة البقاء في بعض المواقع، ولذلك لا يُنصح بزيارتها إلا برفقة مرشدين محليين وبتجهيزات مناسبة.
شعب العفر وتجارة الملح
يسكن المنطقة شعب العفر، وهم رعاة رحل في الأصل، تكيفوا عبر قرون مع واحدة من أقسى البيئات على الأرض، ويعتمدون على تربية الإبل والماعز. ومن أبرز الأنشطة التقليدية في المنخفض استخراج الملح، إذ يقطع العمال كتل الملح من السهول بأدوات يدوية بسيطة، ويشكلونها في ألواح منتظمة تحملها قوافل الإبل والحمير في رحلة طويلة نحو المرتفعات، حيث تباع في الأسواق. وقد ظلت هذه القوافل مشهداً مميزاً للمنطقة، وإن كانت الطرق الحديثة والشاحنات أخذت تحل محل جزء منها.
الملح عملة قديمة
تذكر المصادر التاريخية أن ألواح الملح استخدمت قديماً في الحبشة وسيلة للمبادلة التجارية، وهو ما يبرز قيمة هذه المادة في المجتمعات التي كانت تحتاجها لحفظ الطعام وتغذية المواشي.
منطقة عفار ومهد الإنسان
لا تقتصر شهرة إقليم عفار على ظواهره الطبيعية، بل تمتد إلى الاكتشافات الأحفورية المهمة، فقد عثر الباحثون في موقع هدار بالإقليم على الهيكل العظمي الشهير المعروف باسم لوسي، الذي ينتمي إلى نوع من أشباه البشر القدماء، وأسهم في فهم مراحل تطور المشي على قدمين. وما تزال المنطقة موقعاً نشطاً للبحث في علم الإنسان القديم.
أهمية المنخفض للعلماء
- دراسة نشأة المحيطات: إذ يشاهد العلماء فيه مراحل تباعد القارات على اليابسة.
- دراسة حدود الحياة: فقد بحث علماء الأحياء الدقيقة في البرك الحمضية شديدة الملوحة عن كائنات قادرة على العيش في هذه الظروف، ولا تزال نتائج الأبحاث محل نقاش.
- محاكاة بيئات الكواكب: يرى بعض الباحثين أن ظروف دالول تساعد على فهم البيئات التي قد توجد على المريخ أو أقمار أخرى.
- رصد البراكين والزلازل: لفهم آليات النشاط البركاني في مناطق التصدع.
السياحة في داناكيل
تجتذب المنطقة أعداداً من السياح المغامرين والمصورين، وتنظم الرحلات عادة من مدن في شمال إثيوبيا مع مرشدين محليين ومرافقين. ويُنصح الزائر بالإكثار من شرب الماء، وارتداء ملابس واقية وأحذية مناسبة، وتجنب لمس البرك الحمضية أو السير على القشور الملحية الرقيقة، واتباع تعليمات المرشدين بدقة، ومتابعة الأوضاع الأمنية والإرشادات الرسمية قبل السفر.
مقارنة بأماكن حارة أخرى في العالم
كثيراً ما يقارن منخفض داناكيل بأماكن أخرى اشتهرت بحرارتها الشديدة، أبرزها وادي الموت في ولاية كاليفورنيا الأمريكية، الذي سجلت فيه بعض أعلى درجات حرارة الهواء المقيسة على الأرض، وصحراء لوت في إيران التي رصدت الأقمار الصناعية فيها درجات حرارة مرتفعة جداً لسطح الأرض، إضافة إلى مناطق في الصحراء الكبرى وشبه الجزيرة العربية. ويختلف معيار المقارنة بين هذه الأماكن، فبعضها يشتهر بأعلى درجة حرارة سجلت في يوم واحد، وبعضها بأعلى متوسط سنوي، وبعضها بحرارة سطح الأرض لا الهواء. ويتميز داناكيل بأنه يجمع بين الحرارة المرتفعة على مدار العام والنشاط البركاني والحرمائي الذي يضيف إلى قسوة البيئة.
كيف تقاس حرارة هذه الأماكن
تقاس درجة حرارة الهواء عادة في محطات أرصاد قياسية يوضع فيها مقياس الحرارة في ظل وعلى ارتفاع محدد من الأرض، أما حرارة سطح الأرض فترصدها الأقمار الصناعية بأجهزة استشعار حرارية، وقد تكون أعلى بكثير من حرارة الهواء.
أسئلة شائعة
أين يقع منخفض داناكيل؟
يقع في إقليم عفر شمال شرق إثيوبيا قرب الحدود الإريترية، ضمن مثلث عفار الذي يمتد إلى إريتريا وجيبوتي.
لماذا تتلون ينابيع دالول بألوان زاهية؟
تعود الألوان إلى الأملاح والمعادن والكبريت التي تحملها المياه الحارة، وتفاعلها مع الأكسجين بمرور الوقت، فتتغير الألوان من الأصفر والأخضر إلى البني.
هل يعيش أحد في هذه المنطقة؟
نعم، يعيش فيها شعب العفر منذ قرون، وقد تكيفوا مع قسوة المناخ، ويعمل كثير منهم في الرعي واستخراج الملح.
خلاصة
منخفض داناكيل واحد من أغرب الأماكن على الأرض، يجمع بين الحرارة الشديدة والبراكين النشطة والسهول الملحية والينابيع الملونة، ويقع عند ملتقى صدوع تكتونية ترسم ملامح محيط قد يولد في المستقبل البعيد. وهو في الوقت نفسه موطن لشعب العفر وتجارة الملح العريقة، ومختبر طبيعي يكشف للعلماء أسرار الأرض وحدود الحياة.
.png)