يُعد ابن بطوطة الطنجي من أشهر الرحالة في التاريخ، فقد قضى نحو ثلاثة عقود يجوب بلاد المغرب والمشرق وآسيا وإفريقيا، وترك رحلة مدونة تُعد من أهم مصادر معرفة العالم في القرن الرابع عشر الميلادي. وإلى جانب سيرته ومسار أسفاره، تتناول الأقسام التالية قصة تدوين الرحلة، وقيمتها العلمية، والملاحظات النقدية التي يبديها الباحثون حولها، وحضوره في الذاكرة الحديثة.
سيرة الرحالة الطنجي ومسار أسفاره
.jpg)
ابن بطوطة هو محمد بن عبدالله بن محمد الطنجي وابن بطوطة لقب اشتهر به ، ولد ابن بطوطة في طنجة بالمغرب (24 فبراير 1304م-703هـ) وهو من اهم الرحالة في التاريخ والى جانب عمله كرحالة فأنه عمل قاضٍ وفقيه وكانت ديانته الاسلام ، لقب بأمير الرحالين المسلمين ، توفي (1377م - 703هـ) عن عمر (73 عام) .
وقد اختار عروسا من مدينة صفاقس، والتي كانت الأولى في سلسلة زيجاته التي ميزت أسفاره. مع بداية ربيع 1326، وبعد رحلة استمرت لأكثر من 3،500 كم 2،200) ميل) وصل ابن بطوطة إلى ميناء الإسكندرية، والتي كانت جزءاً من إمبراطورية المماليك البحرية. وقد قضى عدة أسابيعٍ يزور فيها مواقع عدة في المنطقة، ثم توجه إلى داخل البلاد حيث القاهرة –عاصمة سلطنة المماليك- والتي كانت في ذلك الوقت أيضا مدينة كبيرة ومهمة. وبعد قضاء ما يقارب الشهر في القاهرة، اختار أن يسير من الطريق الأقرب له من بين طرق عديدة في الأراضي الخاضعة لحماية المماليك.
ومن بين الطرق الثلاثة المعتادة والموصلة إلى مكة، اختار ابن بطوطة طريقاً لا يستخدمه المسافرون كثيراً، وضم رحلة إلى وادي النيل من خلال هذا الطريق، ثم إلى شرق ميناء على البحر الأحمر في عيذاب، ولكن عندما شارف على الوصول، أجبرته ثورة محلية في البلاد على الرجوع.
عاد ابن بطوطة إلى القاهرة وقام برحلةٍ ثانية كانت هذه المرة إلى المماليك التي تسيطر على دمشق. قابل خلال زيارته الأولى رجل علم الشيخ أبو الحسن شادلي الذي تنبأ له بأنه لن يصل إلى مكة المكرمة إلا من خلال السفر عبر سوريا.
كان لهذا التحويل ميزة إضافية حيث أن السلطات المملوكية لم تدخر جهداً في الحفاظ على المسار آمنا للحجاج؛ بسبب الأماكن المقدسة التي تقع على طول الطريق، بما في ذلك الخليل، والقدس، وبيت لحم. وبدون هذه المساعدة سوف يتعرض الكثير من المسافرين للسرقة والقتل.
اتجهت المجموعة شمالا إلى المدينة المنورة ومن ثم في سفرهم ليلا التفوا على شمال شرق هضبة نجد إلى النجف، في رحلة دامت نحو أسبوعين. في النجف قام ابن بطوطة بزيارة ضريح علي بن أبي طالب (علي)، الإمام الأول، والخليفة الرابع وزوج ابنة النبي محمد عليه الصلاة والسلام.
ثم بدلا من أن يستمر في السفر مع القافلة إلى بغداد كان أيضا ضيفا في الخانات على حاكم الموصل، قاضي ماردين وحتى الصوفي الكردي الشهير في سنجار، الذي أعطى ابن بطوطة القطع النقدية الفضية النادرة. بدأ ابن بطوطة بعدها رحلة الستة أشهر التي أخذته إلى بلاد فارس. حيث سافر من النجف إلى واسط ثم اتبعها بنهر دجلة جنوبا إلى البصرة. كانت وجهته المقبلة بلدة أصفهان عبر جبال زاغروس في إيران.
توجه بعدها جنوبا إلى مدينة شيراز، وهي مدينة مزدهرة كبيرة بمنأى عن الدمار الذي أحدثه غزاة المغول على العديد من بلدات الشمال. وأخيرا، عاد عبر الجبال إلى بغداد، ليصل إلى هناك في يونيو حزيران 1327. حيث لم تزل أجزاء من المدينة مدمرة نتيجة الضرر الناجم عن الجيش هولاكو خان الغازي في 1255م.
عثر ابن بطوطة على أبو سعيد في بغداد وهو آخر حاكم مغولي لوحدة ايلخانان, وغادر المدينة مع حاشية كبيرة متجهًا إلى الشمال. انضم ابن بطوطة للقافلة الملكية لفترة من الزمن ثم دار شمالاً على طريق الحرير ثم إلى تبريز، فتحت المدينة الرئيسية الأولى في المنطقة أبوابها للمغول، وآنذاك دمر غزاة المغول مركزًا تجاريًا مهمًا لأن معظم خصومهم قريبين منه.
غادر ابن بطوطة بغداد مرة أخرى على الأرجح في يوليو لكنه أخذ نزهة شمالًا على طول نهر دجلة, زائرا الموصل وجزيرة ابن عمر وماردين. وفي العصر الحديث العراق وتركيا عندما عاد مرة إلى الموصل انضم إلى قافلة تغذية الحجاج باتجاه الجنوب إلى بغداد حيث سيلتقي بالقافلة الرئيسية التي عبرت الصحراء العربية إلى مكة المكرمة. وصل إلى مكة لحجته الثانية متعب ومنهك بسبب إصابته بإسهال شديد.
شبه الجزيرة العربية:
بعد حج 1328 أو 1330 شق ابن بطوطة طريقه إلى ميناء جدة على ساحل البحر الأحمر, ومن هناك تبع سلسلة من السفن إلى الساحل محرزاً تقدما بطيئا ضد الرياح الجنوبية الغربية.عندما كان في اليمن قام بزيارة زبيد وبعدها الهضبة المرتفعة لتعز حيث قابل الملك (مالك) مجاهد نور الدين علي وفي اليمن قام بزيارة زبيد وبعدها اجتمع بالملك مجاهد نور الدين علي في مدينة تعز. ذكر ابن بطوطة انه زار أيضا صنعاء,
لكن عمله ذلك مريب. ويذكر أنه ذهب مباشرة من تعز إلى أهم ميناء تجاري في عدن ووصل حوالي في بداية 1329 أو 1331.
وعندما وصل في عام 1331م كانت مقديشيو قد وصلت إلى ذروة الازدهار. فوصفها ابن بطوطة بـ "المدينة الكبيرة بإفراط" المليئة بالتجار الأغنياء، والمعروفة بالسلع ذات الجودة العالية التي تصدّر إلى دول أخرى بما فيها مصر.
وأضاف بأن المدينة كانت محكومة من قبل سلطان صومالي ويعود أصله إلى البرابرة والموجود في شمال الصومال. يتحدث السلطان الصومالي بلغتين: اللغة الصومالية (المعروفة بلغة مقديشيو، باللهجة البنادرية الموجودة في جنوب الصومال) واللغة العربية، بنفس الطلاقة.
كان عند السلطان عدد من الوزراء والخبراء القانونيين والقادة والخصوصية الملكية المتنوعة والّتي هي جميعاً تحت أمره.
ومن ثم وجد نفسه متوقفاً عند جزيرة مومباسا، التي وعلى الرغم من أنها كانت صغيرة نسبياً في ذلك الوقت إلا أنها أصبحت ذات أهمية خلال القرن التالي.
وبعد رحلة على طول الساحل, كانت وجهته التالية نحو مدينة كيلوا الساحلية والتابعة لتنزانيا حالياً، والتي أصبحت معبراً رئيسياً مهماً لتجارة الذهب فيما بعد،ولقد وصف تلك المدينة بأنها واحدة من أجمل المدن وأفضلها بنياناً في العالم.
دوّن ابن بطوطة زيارته إلى سلطنة كيلوا عام 1330م مسجلاً إعجابه بتواضع وتدين حاكمها، السلطان الحسن بن سليمان سليل الأسطورة الشهير علي بن الحسين شيرازي, حيث كتب أن سلطته امتدت من ماليندا شمالاً إلى انهامبان جنوباً، كما أن تخطيط تلك المدينة أعجب ابن بطوطة كثيراً مشيراً إلى أنه السبب وراء ازدهار كيلوا على طول الساحل.يشار إلى أن تلك الفترة شهدت بناء قصر حسيني كيبوا الملحق بالمسجد العظيم -أضخم مسجد في كيلوا- والذي تم صنعه من المرجان, ومع تغير الرياح الموسمية شدّ ابن بطوطة الرحال عائداً إلى جزيرة العرب، حيث توجه إلى عمان أولاً عبر مضيق هرمز ثم إلى مكة ليؤدي حج عام 1330م وقيل 1332م.
حيث سلك طريقه منها بحراً نحو شبه جزيرة القرم، وصولاً إلى مملكة القبيلة الذهبية. وفيها زار ميناء مدينة آزوف، حيث التقى أمير خان، ثم إلى مدينة المجر الكبيرة والغنية. والتي غادرها للقاء بلاط (حشد) مسافرين أوزبك خان، والذين كانوا بالقرب من جبل بيشتو. ومن هناك قام برحلة إلى بولغار، والتي أصبحت أعلى نقطة وصلها ابن بطوطة في الشمال، ولقد أشار إلى لياليها القصيرة الغير عادية -شبه الاستوائية- في فصل الصيف. ثم عاد إلى بلاط خان وانتقل معهم إلى استراخان.
كان وصوله إلى القسطنطينية في نهاية 1332 (أو 1334)، والتقى الإمبراطور اليوناني أندرونيكوس باليولوقوس الثالث(Andronikos III Palaiologos).و زار الكنيسة الكبيرة في آيا صوفيا، وتحدث مع كاهن الأرثوذكسية المسيحية حول أسفاره في مدينة القدس.وبعد شهر في المدينة، عاد ابن بطوطة إلى أستراخان، ثم إلى العاصمة ساراي آل الجديد وذكر حساب أسفاره إلى السلطان محمد أوزبك. واصل بعد ذلك مسيرته خلال بحر قزوين وبحر آرال إلى بخارى وسمرقند.
ومن هناك، اتجه جنوبا إلى أفغانستان، ثم عبر الحدود إلى الهند عبر الممرات الجبلية من هندو كوش لقد كان محمد بن توغلوك من أشهر الرجال المسلمين وأغناهم في العالم العربي آنذاك. كان ممن يهتمون بمختلف العلماء ويرعاهم مثل الصوفيين، القديسين، وزراء الدولة العثمانية وغيرهم من العاميلن الذين يخدمون الدولة العثمانية وذلك ليكثف دوره وأهميته. كما هو الحال مع مماليك مصر، عهد حكم عائلة توغلوك كان مثال نادر ورمزي لحكم المسلمين في آسيا خاصة بعد غزو المغول.
وبالرغم من صعوبة السنوات التي قضاها ابن بطوطة في دراسته بمكه المكرمة عينه السلطان قاضيا في ذلك الوقت. وجد ابن بطوطة صعوبة في فرض القوانين الإسلامية خارج محكمة السلطان في دلهي وذلك بسبب عدم وجود أصوات المناشديين الإسلاميين في الهندمن راجبوت مملكة سارساتي، زار هانسي في الهند، وصفها بأنها "من بين أجمل المدن التي شيدت وأفضلها وأكثرها سكانا؛ وأنها محاطة بجدار قوي، ويقال عن مؤسسها أنه من أعظم الملوك الملحدين،"ويدعى تارا ذكر ابن بطوطة بعد وصوله وحيد القرن الهندي الذي عاش على ضفاف نهر السند. ولم يكن السلطان منظم ولا ذو ردات فعل متوقعة حتى مع مبادئ ذلك الوقت، وعلى مدى ست سنوات احتار ابن بطوطة بين العيش في حياة معيار الثقة في مرؤسييها عالي أو الوقوع تحت دائرة الاشتباه في الخيانة لمجموعة متنوعة من الجرائم. كانت خطتة للمغادرة بعذر الحج مرة آخرى غير مقبولة من قبل السلطان. والذي طلب منه بدلا عن ذلك أن يمثله ويذهب كرسول مفوضا منه إلى عائلة يوان في الصين،، قبل عرض السلطان بلا تردد خصوصاً أنه سيوفر له فرصة الابتعاد عن السلطان وزيارة بلدان جديدة في آن معاً.
جنوب اسيا والصين:
وبالرغم من ذلك التأخر والتراجع استطاع اللحاق بجماعته وإكمال طريقه إلى كهومبهات Khumbhat في ولاية غوجارات الهندية. ومن هنالك ابحروا إلى كاليكوت المكان الذي أراد الوصول اليه المستكشف البرتغالي فاسكو دي غاما بعد قرنين من الزمن. وأثناء زيارة ابن بطوطة لأحد المساجد في ساحل كايكوت هبت عاصفه شديدة أدت إلى غرق إحدى سفن الرحلة, وقد أبحرت السفينة الأخرى من دونه وذلك لذهابها إلى ملك سومطرة المحلي بأندونوسيا بعد عدة أشهر. وخوفا من العودة إلى دلهي ويظهر للآخرين بأنه قد فشل مكث مدة في جنوب الهند تحت حماية السلطان جمال الدين حاكم Nawayath وهي سلطنة صغيرة يسكن بها وتتمتع بقوة ونفوذ كبيرين. سكانها من المسلمين وهي مطلة على ضفة نهر Sharavathi القريب من بحر العرب. وتعرف هذه المنطقة حاليا ب Hosapattana وتقع تحت الحكم الإداري ل Uttara Kannada, وبعد هذه النكسة والتأخير في هذه السلطنة الصغيرة, لم يكن هنالك من خيار لإبن بطوطة سوى الرحيل من الهند وقرر أن يكمل رحلته إلى الصين، حيث قرر ان ينعطف في بداية طريقة نحو جزر المالديف.
قضى ابن بطوطة تسعة أشهر على أرض الجزيرة وهو الوقت الذي كان أطول مما كان قد قرر, وباعتباره القاضي الرئيس فقد كانت مهاراته مرغوبة للغاية في البلاد البوذية التي تحولت إلى الإسلام مؤخراً, فأصبح هو القاضي وتزوج من إحدى بنات العائلة المالكة التي تدعى عُمر الأول (Omar I), وأصبح متورطاً بالسياسة المحلية وغادر عندما بدأت سياسة عدم التدخل من الحكومة بأحكامها الصارمة تغضب حكام هذه الجزيرة. وفي كتاب " الرحلة " يذكر خوفه وهلعه من النساء المحليات اللاتي يخرجن بدون ملابس فوق الخصر تقريباً، وكذلك من السكان المحليين الذين لا يبدون اهتمامهم عندما يتشكى.
وصل ابن بطوطة بعد ذلك إلى ميناء شيتاغونغ الواقع في المنطقة المعروفة ببنغلاديش حالياً وهو عاقد النية في المضي قدماً نحو سيلهيت, ومنها ذهب شمالاً إلى ولاية أسام ثم استدار واستمر في خطته.في عام 1345 سافر ابن بطوطة إلى جزيرة سومطرة حيث لاحظ في رحلته أن حاكم سامو ديرا باساي (Samudera Pasai) كان مسلماً حيث كان يؤدي عباداته بحماسٍ كبير.
وكان يتبع المذهب الإمام الشافعي ، مع نفس التقاليد التي رآها في الهند الساحلية خصوصا بين مسلمي مابيلا (Mappila) ، الذين كانوا يتبعون المذهب الشافعي أيضاً.
ثم أبحر ابن بطوطة إلى ملاكا (Malacca) ، وبعدها إلى فيتنام، ومن ثم جزر الفلبين، وأخيراً إلى مدينة تشي وانتشو (Quanzhou) في مقاطعة فوجيان (Fujian province) حين وصوله إلى الصين عام ١٣٤٥م كان إتقان الفنانين المحليين في صنع اللوحات للأجانب القادمين حديثاً هي أول ما استرعى انتباه ابن بطوطة، كما لاحظ أيضاً مدى الاحتراف في صناعة الحرير والخزف، وزراعة الفاكهة كالبطيخ والخوخ بالإضافة إلى الفوائد من استخدام النقود الورقية.
كما قام بوصف عملية تصنيع السفن الكبيرة في مدينة قوانغشتو كما أشار أيضاً إلى المأكولات الصينية واستخدام الحيوانات فيها كالضفادع. وبينما كان في تشيوانتشو (Quanzhou) صعد "جبل الناسك" وزار لفترة وجيزة الراهب طاوي (Taoist monk).
وخلال فترة إقامته في مدينة هانغشتو أُعجب جداً بالأعداد الكبيرة من السفن الصينية الخشبية التي صُنعت وزُخرفت بعناية؛ بأشرعتها الحريرية والمظلات الملونة مجتمعةً في القنوات البحرية. وفي وقتٍ لاحق، حضر ابن بطوطة مأدبة كبيرة أقامها (Qurtai) ممثّل إمبراطورية المغول في المدينة, الذي -وفقاً لابن بطوطة- كان مولعاً بدرجة كبيرة بمهارات المشعوذين الصينيين المحليين.
كما وصف السفر إلى الشمال، من خلال القناة الكبرى إلى بكين بصحبة رفيق سفره البشري (Al-Bushri), حيث دُعيَ إلى البلاط الإمبراطوري بواسطة توغان تيمور -آخر أباطرة المغول من أسرة يوان-.
كما ذكر ابن بطوطة في -سور يأجوج ومأجوج- رحلة الستين يوماً إلى مدينة الزيتون- تشيوانتشو ولقد لاحظ هاملتون الكساندر أن ابن بطوطة يعتقد أن سور الصين العظيم تم بناءه من قِبل ذو القرنين لحجز يأجوج ومأجوج كما ذُكر في القرآن الكريم.
بعد ذلك سافر ابن بطوطة من بكين إلى هانغشتو، ومنها واصل رحلته نحو فوتشو (Fuzhou). ولدى عودته إلى تشيوانتشو، سرعان ما صعد جنكاً صينياً تعود ملكيته إلى سلطان سومطرة (Samudra) متجهاً إلى جنوب شرق آسيا, وبعدها اتُهم ابن بطوطة ظلماً هو ومجموعة من طاقمه وخسر الكثير مما جمع خلال إقامته في الصين.
وانهارت الأراضي التي كان يحكمها أبو سعيد بسبب حرب أهلية بين الفرس والمغول. وصل ابن بطوطة دمشق في عام 1348م مع نيته مواصلة المسيرة من أجل أول حجٍ له. ومن ثم علم بأن والده توفي قبل 15 سنة, وأن الموت أصبح هو الموضوع المهيمن للعام الذي بعده؛ حيث انتشر الموت الأسود في سوريا، وفلسطين، وجزيرة العرب.
وبعد أن وصل مكة قرر الرجوع مرة أخرى إلى المغرب، بعد ما يقارب ربع القرن من مغادرة المنزل. وفي طريقه إلى هناك, زار سردينيا للمرة الأخيرة، ثم في عام 1349م عاد إلى طنجة متجاوزاً مدينة فاس، ليكتشف بأن والدته قد توفيت قبل وصوله ببضعة أشهر.
عند وصول ابن بطوطة كان الطاعون قد قضى على الملك ألفونسو وأنحسر خطر الغزو، عندها تحولت الرحلة إلى نزهة. وقام بجولة في فلنسيا وانتهى في غرناطة.قرر بعد رحيله من الأندلس العودة إلى المغرب. في طريق عودته إلى الديار استقر لفترة من الوقت في مراكش، حيث كانت تقريبا كمدينة أشباح بعد الطاعون الذي حل فيها, وقد نقلت العاصمة أيضا إلى مدينة فاس.
عاد ابن بطوطة مرة أخرى إلى طنجة ولكنه بقى لفترة قصيرة. في عام 1324 وقبل عامين من زيارته الأولى للقاهرة، مر في غرب أفريقيا بأرض منسى موسى "ملك ملوك" مانسا مملكة مالي, وهو في طريقه للحج، وقد أثار ضجة كبيرة لعرضه ثروات باهظة قام بجلبها من وطنه الغني بالذهب.
على الرغم من أن ابن بطوطة لم يذكر هذه الزيارة على وجه التحديد، ولكنه عندما سمع هذه القصة ربما قد تكون نمت فكرة ما برأسه قرر بعدها أن يعبر الصحاري الأفريقية ويزور الدول الإسلامية البعيدة.
ثم انطلق مجددًا مع قافلة في فبراير عام 1352 وبعد 25 يومًا وصلوا إلى قاع بحيرة الملح الجافة في "تاغازا" الغنية بمناجم الملح وكانت كل البنايات المحلية مصنوعة من ألواحالملح التي قام بصنعها خدم قبيلة "ماسوفا" الذين كانوا يقومون بتكسير الملح إلى ألواح سميكة ليتم نقلها عن طريق الجمال، و"تاغازا" كانت تعتبر مركزًا اقتصاديا يمتاز بالذهب المالي وبالرغم من هذا لم يقدم ابن بطوطة إنطباعا إيجابيا عن المكان مشيراً أنه كان مزعجاً لكثرة الذباب ومياهه شديدة الملوحه.
انطلقت القافلة إلى واحة "تاساراهلا" أو " بئر الكاسب" بعد مكوثها لمدة عشرة أيام في "تاغازا".بقيت هناك لثلاثة أيام تحضيرًا للمحطة الأخيرة والأكثر صعوبة في الرحلة عبر الصحراء الشاسعة، وكانت القافلة قد أرسلت مُسبقا كشافًا من قبيلة ماسوفا إلى واحة بلدة "ولاته"، حيث قام هذا الكشاف بترتيب نقل الماء لمسافة أربعة أيام حيث ستلتقي بالقافلة العطشى "ولاته" كانت آخر محطة جنوبية لطريق التجارة عبر الصحراء كما أنها قد أصبحت مؤخرا جزءًا من إمبراطورية مالي، إجمالاً استغرقت القافلة شهرين لعبور مسافة 1600 كم (900 ميل) في الصحراء من "سجلماسة".
غادر العاصمة في فبراير بصحبة تاجر مالي من السكان المحليين حيث سافروا على الجمال عبر البر متجهين إلى تمبكتو وفي ذلك الوقت كانت هذه المدينة غير مهمة نسبيا على الرغم أنه بعد ذلك الوقت بقرنين أصبحت أهم مدينة في تلك المنطقة، وخلال هذه الرحلة كانت المرة الأولى التي يصادف فيها ابن بطوطة فرس النهر وكانت تلك الحيوانات تخشى أصحاب المراكب المحليين الذين يطاردونها بالرماح الموصولة بحبال قوية بعد إقامة قصيرة في تمبكتو غادر ابن بطوطة إلى أدنى النيجر نحو (غاو) عبر زورق صغير نُحِت من شجرة واحدة في ذلك الوقت كانت غاو مركزًا اقتصاديا هامًا.
وبعد قضاء شهر في غاو انطلق ابن بطوطة مع قافلة كبيرة متجهًا نحو واحة (تاكيدا) وفي أثناء رحلته عبر الصحراء استلم ابن بطوطة رسالة من سلطان المغرب يأمره فيها بالرجوع للبلاد، وفي عام 1353 انطلق ابن بطوطة نحو سجلماسة مع قافلة كبيرة كانت تحمل 600 من الجواري السود وعاد مجددا للمغرب في بدايات عام 1345.
بعد عودته من سفره في عام 1354 وبدعم من سلطان المغرب أبو عنان فارس، ابن بطوطة أملى كتابه في رحلاته على ابن الجزي وهو العالم الذي التقى به في غرناطة وكان المصدر الوحيد لرحلات ابن بطوطة هي المخطوطة (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار). وكان يطلق عليها (الرحلة).
هنا لايوجد لدينا أي دليل على أن ابن بطوطة دون أي ملاحظات خلال ال29 سنه من أسفاره وعندما قام بتدوينها اعتمد على ذاكرته ومخطوطات من كانوا قبله في الأسفار وعند وصفه لدمشق ومكة المكرمة والمدينة المنورة وأماكن أخرى من الشرق الأوسط، فإن ابن الجزي نسخ مقتطفات من القرن الثاني عشر معتمده على ابن جابير، تم نسخ معظم وصف ابن الجزي لأماكن كفلسطين من مخطوطات القرن الثالث عشر للمسافر محمد الأبدري.
لا يعتقد المستشرقون الغربيون بأن ابن بطوطة زار جميع الأماكن التي وصفها ويقولون من أجل توفير وصفٍ شامل في العالم الإسلامي، فقد اعتمد على الإشاعات واستفاد من حسابات المسافرين القدماء، على سبيل المثال يعتبر من المستبعد أن ابن بطوطة قام برحلة حتى نهر الفولغا "Volga" من ساراي "Sarai" الجديدة لزيارة بولقار "Bolghar" وهناك شكوك جدية حول عدد من الرحلات الأخرى مثل رحلته إلى صنعاء "Sana'a" في اليمن ورحلته من بلخ "Balkh" إلى بيستام "Bistam" في خاراسان ورحلته حول الأناضول Anatolia وبعض المستشرقين أيضاً شككوا في ما إذا كان حقاً قد زار الصين ومع ذلك في حين أنها أماكن خيالية الـ "رحله" زودتنا بحساب مهم عن بلدان العالم في القرن 14.
ابن بطوطة شهد غالباً صدمة ثقافية في المناطق التي زارها حيث العادات والتقاليد الحالية للشعوب لم تتناسب مع خلفيته كمسلم محافظ، فمثلا عندما شاهد الأتراك والمنغوليين ذهل في طريقة تصرف النساء ولاحظ ذلك عند رؤيته لزوجين أتراك مشيراً إلى حرية المرأة في التعبير حيث كان يتوقع بأن الرجل خادم للمرأة ولكنه كان في الواقع زوجها وشعر أيضاً بأن اللباس المتعارف عليه في المالديف "Maldives" وبعض مناطق جنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا كاشفة جداً.
لم يُعرف إلا القليل عن ابن بطوطة بعد انتهائه من كتابة "رحلة" في عام 1355. وقد تم تعيينه قاضياً في المغرب "Morocco" وتوفي فيها عام 1368 أو 1369.
ظل كتابه غامضاً لعدة قرون حتى في العالم الإسلامي حتى مطلع القرن التاسع عشر حيث نشرت مقتطفات منه بالألمانية والإنجليزية استناداً على مخطوطات اكتشفت في الشرق الأوسط تحتوي نسخة مختصرة من النص العربي لابن الجوزي وخلال فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر تم اكتشاف ٥ مخطوطات في قسطنطين في الفترة ما بين عامي 1830 و1840 حيث احتوت مخطوطتين منها على نسخة كاملة من النص وأُحضرت هذه المخطوطات إلى المكتبة الوطنية الفرنسية (Bibliothèque Nationale) في باريس حيث أُتمّت دراستها على يد عالمين فرنسيين هما تشارلز ديفريمري وبينيامينو سانقوينيتي، وفي عام 1853 نشرا سلسلة من ٥ مجلدات تحوي النص العربي مع ملاحظات شاملة وترجمة إلى اللغة الفرنسية وتجدر الإشارة إلى أن النص الذي نشره ديفريمري وسانقوينيتي ترجم إلى عدة لغات ولمعت معه شهرة ابن بطوطة حول العالم.
ويقول ابن بطوطة: لما كان اليوم الرابع جاءني الأقاضي والطلبة وأحد وزراء الشيخ (السلطان) وأتوني بكسوة، وكسوتهم فوطة خِزّ يشدها الإنسان في وسطه وذراعه من المقطع المصري مغلقة وفرجية مبطنة وعمامة مصرية، كما أتوا لأصحابي بكساء، ثم أتينا الجامع، فسلمت على السلطان، ثم قال باللسان العربي: قدمت خير مقدم، وشرفت بلادنا، وآنستنا المآذن والمساجد في مقديشو
قصة تدوين الرحلة
بعد عودته إلى المغرب، أمر السلطان المريني أبو عنان بتدوين أخبار رحلاته، فأملاها ابن بطوطة على الكاتب ابن جزي الكلبي، الذي صاغها بأسلوب أدبي وأضاف إليها بعض الأشعار والتعليقات.
اسم الكتاب
عُرفت الرحلة باسم تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، واشتهرت باسم رحلة ابن بطوطة.
الاعتماد على الذاكرة
يرى الباحثون أن الرحالة أملى كثيرًا من تفاصيلها من ذاكرته بعد سنوات من وقوع الأحداث، لأنه فقد بعض ما دونه أثناء الأسفار، وهو ما يفسر بعض الاضطراب في التواريخ والتفاصيل.
القيمة العلمية للرحلة
- مصدر تاريخي: تقدم معلومات عن الحكام والدول والمدن في عصره.
- مصدر اجتماعي: تصف العادات والأطعمة والملابس والأعياد لدى شعوب كثيرة.
- مصدر اقتصادي: تتحدث عن الأسواق والأسعار والطرق التجارية.
- مصدر ديني وثقافي: تذكر العلماء والزوايا والمساجد والقضاة.
ملاحظات نقدية
يتفق الباحثون على أهمية الرحلة، لكنهم يتعاملون مع بعض أجزائها بحذر، إذ يشك عدد منهم في صحة بعض المقاطع، كوصف رحلات إلى مناطق بعيدة يرون أن تفاصيلها قد تكون منقولة عن غيره أو مختلطة في الذاكرة. ولذلك يقارنون نصوصها بالمصادر المعاصرة لها للتحقق من المعلومات.
حضوره في الذاكرة الحديثة
تُرجمت الرحلة إلى لغات كثيرة، وأصبحت موضوعًا لدراسات جامعية وأعمال وثائقية. وفي المغرب يحمل اسمه مطار مدينة طنجة، ويُعد رمزًا للانفتاح على العالم وحب المعرفة والاستكشاف.
أسئلة شائعة
كم سنة استغرقت أسفار ابن بطوطة؟
يُقدر مجموع أسفاره بنحو ثلاثين عامًا، تخللتها فترات إقامة طويلة في بعض البلدان.
هل عمل ابن بطوطة قاضيًا؟
نعم، فقد تولى القضاء في عدد من البلدان التي زارها، منها دلهي وجزر المالديف، بفضل تكوينه الفقهي المالكي.
أين دُفن ابن بطوطة؟
المشهور أنه توفي في المغرب، ويوجد في طنجة ضريح يُنسب إليه، مع اختلاف في التفاصيل بين المصادر.
خلاصة
تبقى رحلة أمير الرحالين المسلمين نافذة واسعة على عالم القرن الرابع عشر، وقراءتها بوعي نقدي يجمع بين التقدير والتحقق تمنح القارئ متعة السفر عبر الزمن وفهمًا أعمق لتاريخ الشعوب.
.png)