يحتل بحر الصين الجنوبي موقعًا استثنائيًا على خريطة العالم، فهو ممر بحري حيوي تعبره نسبة كبيرة من التجارة الدولية، وتحيط به دول عدة تتنافس على جزره وثرواته، مما جعله من أكثر المناطق حساسية في السياسة الدولية المعاصرة.
في هذا المقال نقدم المعلومات الجغرافية الأساسية عن هذا البحر، ثم نتوسع في الحديث عن جزره الرئيسية، وأهميته الاقتصادية والبيئية، والنزاعات القائمة حوله، والإطار القانوني الذي ينظم حقوق الدول في البحار، مع تصويب بعض الأرقام المتداولة.
الموقع والمساحة والأعماق

تصويب لبعض المعلومات المتداولة
تقدر مساحة هذا البحر بنحو ثلاثة ملايين ونصف المليون كيلومتر مربع، وهو بذلك من أكبر البحار الهامشية في العالم، لكن وصفه بأنه أكبر بحر على الإطلاق أو أعمق بحر لا يتفق مع ما تذكره المراجع الجغرافية، إذ تتفاوت التصنيفات في ترتيب البحار، ويتقدم عليه في المساحة بحسب بعض المراجع بحر الفلبين والبحر المرجاني وبحر العرب. كما أن أقصى عمق فيه يتجاوز خمسة آلاف متر في حوضه الشمالي الشرقي، وهو عمق كبير لكنه أقل من أعماق بعض البحار والخنادق في المحيط الهادئ.
الدول المطلة والجزر الرئيسية
تطل على هذا البحر الصين وتايوان من الشمال، وفيتنام من الغرب، والفلبين من الشرق، وماليزيا وبروناي من الجنوب، وتقترب منه إندونيسيا عند جزر ناتونا. أما الجزر والشعاب فتتوزع في عدة مجموعات أبرزها:
- جزر سبراتلي: مجموعة كبيرة من الجزر الصغيرة والشعاب المرجانية في الجزء الجنوبي، تتنازع عليها كليًا أو جزئيًا عدة دول.
- جزر باراسيل: تقع في الشمال الغربي قرب السواحل الفيتنامية والصينية، وتسيطر عليها بكين منذ سبعينيات القرن الماضي وتطالب بها فيتنام.
- جزر براتاس: في الشمال قرب الساحل الصيني، وتديرها تايوان.
- شعاب سكاربورو: قرب الفلبين، وكانت محور توتر متكرر بين بكين ومانيلا.
الأنهار والمضائق
تصب في هذا البحر أنهار كبرى مثل ميكونغ ونهر اللؤلؤ والنهر الأحمر، وتحمل معها كميات كبيرة من الرواسب والمغذيات. ويتصل البحر بالمحيط الهندي عبر مضيق ملقا الذي يعد من أكثر الممرات البحرية ازدحامًا في العالم، وبالمحيط الهادئ عبر مضيق لوزون، وببحر الصين الشرقي عبر مضيق تايوان.
الأهمية الاقتصادية
طرق الملاحة والتجارة
تمر عبر هذا البحر خطوط ملاحية تربط شرق آسيا بالشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا، وتعبره ناقلات النفط المتجهة إلى الموانئ الصينية واليابانية وكوريا الجنوبية، إضافة إلى سفن الحاويات المحملة بالسلع المصنعة. ولهذا فإن أي اضطراب فيه ينعكس على أسعار الشحن وسلاسل الإمداد العالمية.
الثروات الطبيعية
يُعتقد أن قاع البحر يحتوي على احتياطيات من النفط والغاز الطبيعي، وإن كانت التقديرات تتفاوت كثيرًا بين الجهات المختلفة، كما أن أجزاء منها تقع في مناطق متنازع عليها يصعب استكشافها. ويضاف إلى ذلك ثروة سمكية كبيرة تعتمد عليها ملايين الأسر في الدول المطلة، ويعد قطاع الصيد فيه من الأكبر عالميًا.
النزاعات والإطار القانوني
تتمحور النزاعات حول السيادة على الجزر والشعاب، وحول حدود المناطق البحرية التابعة لكل دولة. وتطالب بكين بمساحة واسعة من البحر يحددها ما يعرف بخط النقاط التسع، وهو ما تعترض عليه دول أخرى ترى أنه يتعارض مع قواعد القانون الدولي.
اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار
تحدد هذه الاتفاقية الحقوق البحرية للدول؛ فللدولة الساحلية بحر إقليمي يمتد اثني عشر ميلًا بحريًا من خط الأساس، ومنطقة اقتصادية خالصة تمتد إلى مئتي ميل بحري تملك فيها حقوق استغلال الثروات، إضافة إلى الجرف القاري. وتميز الاتفاقية بين الجزيرة التي تصلح لسكنى البشر أو لحياة اقتصادية مستقلة، وبين الصخور والمرتفعات التي تنحسر عنها المياه عند الجزر، ولكل منها حقوق مختلفة.
قرار التحكيم سنة 2016
رفعت الفلبين قضية أمام هيئة تحكيم مشكلة وفق الاتفاقية، وصدر القرار في يوليو 2016 لصالح الفلبين في معظم النقاط، إذ رأى أن المطالبات التاريخية الواسعة لا أساس لها في إطار الاتفاقية. غير أن بكين رفضت القرار ولم تعترف باختصاص الهيئة، فبقي النزاع قائمًا على أرض الواقع.
البيئة البحرية والتحديات
يضم البحر نظمًا بيئية غنية من الشعاب المرجانية وأشجار المانغروف والأعشاب البحرية، وتعيش فيه أنواع كثيرة من الأسماك والسلاحف والثدييات البحرية. لكن هذه البيئة تواجه ضغوطًا متزايدة من الصيد الجائر، وأعمال الردم وبناء الجزر الاصطناعية، والتلوث القادم من المدن الساحلية والأنهار، إضافة إلى آثار ارتفاع حرارة المياه على الشعاب. ويدعو علماء البيئة إلى تعاون إقليمي لحماية المخزون السمكي، لأن الأسماك لا تعترف بالحدود السياسية.
تاريخ الملاحة والتجارة في المنطقة
لم تكن أهمية هذا البحر وليدة العصر الحديث، فقد عرفت مياهه حركة تجارية نشطة منذ قرون طويلة، إذ كانت السفن تنقل الحرير والخزف والتوابل بين موانئ شرق آسيا وجنوبها وصولًا إلى المحيط الهندي. وشارك التجار العرب والفرس في هذه التجارة منذ العصور الإسلامية الأولى، وأسهموا في نشر الإسلام في أرخبيل الملايو وما حوله. وتعتمد الملاحة في المنطقة تقليديًا على الرياح الموسمية التي تغير اتجاهها بين الصيف والشتاء، فكان البحارة ينتظرون مواسم معينة للإبحار.
وفي العصر الاستعماري تنافست القوى الأوروبية على موانئ المنطقة، فسيطرت بريطانيا على سنغافورة وأجزاء من الملايو وبورنيو، وفرنسا على الهند الصينية، وإسبانيا ثم الولايات المتحدة على الفلبين، وهولندا على جزر الهند الشرقية التي أصبحت إندونيسيا. ومع موجة الاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية ورثت الدول الجديدة حدودًا بحرية غير واضحة، وهو أحد الجذور التاريخية للنزاعات الحالية.
المناخ والأعاصير
يقع البحر في نطاق مداري، ومياهه دافئة معظم العام، ويتعرض في الصيف والخريف لأعاصير مدارية تعرف في المنطقة باسم التيفون، تضرب سواحل الفلبين وفيتنام وجنوب البر الصيني، وتسبب أمطارًا غزيرة وفيضانات، مما يجعل أنظمة الإنذار المبكر ضرورية لسكان المدن الساحلية والصيادين.
أسئلة شائعة
ما سبب تسمية هذا البحر؟
الاسم مستخدم في أغلب اللغات الأوروبية والدولية لوقوعه جنوب البر الصيني، بينما تستخدم بعض الدول المطلة أسماء أخرى؛ ففي فيتنام يسمى البحر الشرقي، وتطلق الفلبين على الجزء المحاذي لها اسم بحر الفلبين الغربي.
ما الدول المتنازعة على جزره؟
أبرزها جمهورية الصين الشعبية وتايوان وفيتنام والفلبين وماليزيا وبروناي، وتختلف مطالبات كل دولة في مداها.
هل البحر غني بالنفط فعلًا؟
يُعتقد وجود احتياطيات مهمة، لكن التقديرات متباينة، وتعيق النزاعات أعمال التنقيب في بعض المناطق.
خلاصة
يجمع هذا البحر بين الأهمية الجغرافية والاقتصادية والاستراتيجية، فهو شريان للتجارة العالمية ومصدر للغذاء والطاقة، وساحة لتنافس سياسي معقد. وفهم جغرافيته وقواعد القانون الدولي المتعلقة به يساعد على إدراك أسباب التوتر فيه، ولماذا يتابع العالم تطوراته باهتمام كبير.
.png)