لا نكاد نشعر بوجوده رغم أنه يحيط بنا في كل لحظة، فهو الهواء الذي نتنفسه، والسماء الزرقاء التي نراها، والغيوم التي تحمل المطر. إنه الغلاف الجوي للأرض، ذلك الغطاء الغازي الرقيق نسبياً الذي يجعل كوكبنا صالحاً للحياة، ويحميه من كثير من أخطار الفضاء.
بعد عرض تعريف الغلاف الجوي ومكوناته وأهميته وطبقاته كما وردت في المقال الأصلي، نتوسع في نشأته وتطوره عبر تاريخ الأرض، ونشرح الضغط الجوي وتغيره مع الارتفاع، وظاهرة الاحتباس الحراري الطبيعية، وطبقة الأوزون وقصة حمايتها، ولماذا تبدو السماء زرقاء، والظواهر الضوئية الجميلة كالشفق القطبي، ثم نتحدث عن تلوث الهواء وتغير المناخ.
مكونات الغلاف الجوي وطبقاته

أهمية الغلاف الجوي :
- يؤمن البيئة المناسبة للحياة، حيث يمنح المخلوقات الحية الهواء اللازم للتنفس .
- يشكل درعاً واقياً يحمي الكائنات الحية من شظايا الشهب والنيازك والمذنبات ، بالإضافة الى انه يعمل على حماية الكائنات الحية والارض من الأشعة فوق البنفسجية وغيرها من الأشعة الكونية الضارة.
- يشكل منظما حرارياً، ينظم توزيع الحرارة على سطح الأرض بين الليل والنهار، وبين فصول السنة.
- يشكل منظماً ضوئياً، ينظم انتشار وتوزع الضوء على سطح الأرض.
- يعطي السماء لونها الأزرق ، وهذا يرتبط بالجزيئات والعناصر الموجودة في الغلاف الجوي.
- بفضل الغلاف الجوي تتشكل الغيوم والرياح والأمطار وغيرها من ظواهر الطقس المعروفة.
- يحوي الهواء المحمل بالأكسجين الضروري للحياة.
طبقات الغلاف الجوي :
يتكون الغلاف الجوي للارض من خمس طبقات ، بحيث يكون اسمكها قرب السطح ويخف تدريجيا بالإرتفاع حتى يندمج في النهاية بالفضاء الخارجي.
- طبقة تروبوسفير Troposphere : هي الطبقة الأولى التي تقع فوق سطح الأرض تماماً، وتتضمن نصف جو الأرض تقريباً وفيها أيضاً يحدث الطقس.
- طبقة ستراتوسفير Stratosphere : تعتبر هذه الطبقة ذو طبيعة مستقرة جدا لذلك تستخدمها الطائرات في الطيران ، كما تمر بها أيضا طبقة الأوزون الني تحد دون وصول الأشعة الضارة القادمة من الشمس إلى سطح الأرض.
- طبقة ميسوسفير : تعتبر هذه الطبقة مركز تدمير الشهب وأجزاء من النيازك التي تتساقط على سطح الأرض.
- طبقة ثيرموسفير Thermosphere : تعتبر هذه الطبقة المركزية المكون الرئيسي لظاهرة الشفق القطبي، وهو أيضا موضع المكوك الفضائي والرحلات الفضائية التي تدور حول الأرض.
- طبقة إكسوسفير Exosphere : هي آخر طبقة في الغلاف الجوي، وهي اقل طبقة سمكاً حيث يندمج فيها الغلاف الجوي بالفضاء الخارجي.
نشأة الغلاف الجوي وتطوره
لم يكن الغلاف الجوي الذي نعرفه اليوم موجوداً منذ نشأة الأرض، بل مر بمراحل طويلة من التطور. فيرجح العلماء أن الغلاف الأول تكون من غازات خفيفة كالهيدروجين والهيليوم، وأن معظمها تسرب إلى الفضاء في المراحل المبكرة. ثم تكون غلاف ثان من الغازات التي أطلقتها البراكين النشطة، كبخار الماء وثاني أكسيد الكربون والنيتروجين، ومع برودة الأرض تكثف بخار الماء وتكونت المحيطات.
دور الكائنات الحية
جاء التحول الأكبر حين ظهرت كائنات دقيقة قادرة على البناء الضوئي، أشهرها البكتيريا الزرقاء، فبدأت تطلق الأكسجين في الماء ثم في الهواء. وعلى مدى زمن طويل جداً تراكم الأكسجين في الغلاف الجوي، فيما يعرف لدى العلماء بحدث الأكسدة العظيم، وهو ما مهد لظهور طبقة الأوزون، ثم لتطور كائنات أكثر تعقيداً تعتمد على الأكسجين في تنفسها. وهكذا فإن الهواء الذي نتنفسه اليوم هو في جزء كبير منه نتاج نشاط الكائنات الحية عبر تاريخ الأرض.
الضغط الجوي
للهواء وزن، وإن كنا لا نشعر به، والضغط الجوي هو القوة التي يؤثر بها عمود الهواء الممتد فوق مساحة معينة من سطح الأرض. ويبلغ هذا الضغط أعلى قيمه عند مستوى سطح البحر، ثم يتناقص كلما ارتفعنا، لأن كمية الهواء فوقنا تقل، كما يقل عدد جزيئات الهواء في الحجم نفسه، فيصبح الهواء أقل كثافة. ولهذا يشعر متسلقو الجبال العالية بضيق التنفس، وتحتاج الطائرات إلى أنظمة ضغط في مقصوراتها.
قياس الضغط وأثره في الطقس
يقاس الضغط الجوي بجهاز يسمى البارومتر، وقد اخترع العالم الإيطالي توريشيلي في القرن السابع عشر أول بارومتر زئبقي. ويستخدم خبراء الأرصاد قياسات الضغط في التنبؤ بالطقس، فمناطق الضغط المنخفض ترتبط غالباً بالغيوم والأمطار والرياح، بينما ترتبط مناطق الضغط المرتفع بالأجواء الصافية المستقرة. والرياح نفسها تنشأ في الأساس من حركة الهواء من مناطق الضغط المرتفع إلى مناطق الضغط المنخفض.
الاحتباس الحراري الطبيعي
من أهم وظائف الغلاف الجوي تنظيم حرارة الأرض، وذلك بفضل ما يعرف بظاهرة الاحتباس الحراري الطبيعية. فأشعة الشمس تصل إلى سطح الأرض فتسخنه، ثم يعيد السطح إشعاع جزء من هذه الطاقة على شكل أشعة تحت حمراء. وتمتص بعض الغازات الموجودة بنسب صغيرة في الهواء، كبخار الماء وثاني أكسيد الكربون والميثان، جزءاً من هذه الأشعة وتعيد إشعاعها في كل الاتجاهات، فيبقى جزء من الحرارة قرب سطح الأرض. ولولا هذه الظاهرة لكان متوسط حرارة الأرض أبرد بكثير، ولكانت الحياة كما نعرفها صعبة جداً.
من الطبيعي إلى المقلق
المشكلة التي يحذر منها العلماء اليوم ليست في الظاهرة نفسها، بل في تعزيزها بفعل الأنشطة البشرية، كحرق الفحم والنفط والغاز وإزالة الغابات، التي رفعت تركيز ثاني أكسيد الكربون وغازات أخرى في الغلاف الجوي منذ الثورة الصناعية. وتؤكد التقارير العلمية الدولية أن هذا الارتفاع يسهم في الاحترار العالمي وما يرافقه من موجات حر وتغيرات في أنماط الأمطار وارتفاع في مستوى سطح البحر.
طبقة الأوزون
الأوزون غاز يتكون جزيئه من ثلاث ذرات أكسجين، ويتركز معظمه في طبقة الستراتوسفير، حيث يمتص الجزء الأكبر من الأشعة فوق البنفسجية الضارة القادمة من الشمس، والتي قد تسبب حروق الجلد وسرطانه وإعتام عدسة العين وتضر بالنباتات والكائنات البحرية.
ثقب الأوزون وبروتوكول مونتريال
اكتشف العلماء في ثمانينيات القرن العشرين ترققاً شديداً في طبقة الأوزون فوق القارة القطبية الجنوبية، عرف إعلامياً بثقب الأوزون، وتبين أن السبب الرئيسي مركبات صناعية كانت تستخدم في أجهزة التبريد والبخاخات، تعرف بمركبات الكلوروفلوروكربون. فاتفقت دول العالم على بروتوكول مونتريال عام 1987 للتخلص التدريجي من هذه المواد، ويعد من أنجح الاتفاقيات البيئية الدولية، إذ تشير التقييمات العلمية إلى أن طبقة الأوزون في طريقها إلى التعافي التدريجي خلال العقود القادمة.
لماذا تبدو السماء زرقاء؟
ضوء الشمس الذي يبدو أبيض يتكون في الحقيقة من ألوان الطيف كلها، وعندما يمر عبر الغلاف الجوي تصطدم أشعته بجزيئات الهواء الصغيرة فتتشتت. ويتشتت الضوء ذو الطول الموجي القصير، كالأزرق والبنفسجي، أكثر بكثير من الضوء ذي الطول الموجي الطويل كالأحمر، ولهذا يصل إلى أعيننا من كل أنحاء السماء ضوء أزرق مشتت، فتبدو السماء زرقاء. أما لماذا لا نراها بنفسجية، فلأن جزءاً من البنفسجي يمتص في الطبقات العليا، كما أن أعيننا أكثر حساسية للأزرق. وعند الشروق والغروب يقطع الضوء مسافة أطول في الغلاف الجوي، فيتشتت معظم الأزرق قبل أن يصلنا، وتغلب الألوان الحمراء والبرتقالية.
الشفق القطبي
من أجمل الظواهر المرتبطة بالغلاف الجوي الشفق القطبي، وهو أضواء ملونة تتراقص في السماء قرب القطبين، تنشأ عندما تصطدم جسيمات مشحونة قادمة من الشمس بذرات الأكسجين والنيتروجين في الطبقات العليا، بعد أن يوجهها المجال المغناطيسي للأرض نحو المناطق القطبية.
تلوث الهواء
يتعرض الغلاف الجوي، خاصة في المدن الكبرى والمناطق الصناعية، لملوثات متعددة، منها الجسيمات الدقيقة، وأكاسيد النيتروجين والكبريت، وأول أكسيد الكربون، والأوزون القريب من سطح الأرض. وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن تلوث الهواء من أبرز المخاطر البيئية على الصحة، إذ يرتبط بأمراض الجهاز التنفسي والقلب. ومن وسائل الحد منه: تطوير وسائل النقل العام، والاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة، وتحسين معايير الانبعاثات الصناعية، وزيادة المساحات الخضراء.
أسئلة شائعة
ما أكثر غاز في الغلاف الجوي؟
النيتروجين هو الغاز الأكثر وفرة، يليه الأكسجين، ثم الأرغون، مع نسب صغيرة من ثاني أكسيد الكربون وغازات أخرى، إضافة إلى بخار الماء الذي تتغير نسبته بحسب المكان والطقس.
أين ينتهي الغلاف الجوي؟
لا يوجد حد فاصل واضح، فالهواء يزداد خلخلة تدريجياً مع الارتفاع حتى يندمج بالفضاء، ويستخدم كثيرون خط كارمان على ارتفاع مئة كيلومتر تقريباً حداً تقليدياً لبداية الفضاء.
في أي طبقة تحدث ظواهر الطقس؟
تحدث معظمها في الطبقة السفلى، وهي التروبوسفير، لأنها تحتوي على الجزء الأكبر من كتلة الهواء وبخار الماء.
لماذا يبرد الهواء كلما ارتفعنا في الجبال؟
لأن الهواء في طبقة التروبوسفير يسخن أساساً من سطح الأرض لا من الشمس مباشرة، كما أن الهواء الصاعد يتمدد بسبب انخفاض الضغط فيبرد، ولهذا تنخفض الحرارة عادة مع الارتفاع في هذه الطبقة، وتغطي الثلوج قمم الجبال العالية حتى في المناطق الحارة.
خلاصة
الغلاف الجوي غطاء غازي تطور عبر مليارات السنين بفعل البراكين والكائنات الحية، وهو يمدنا بالأكسجين، وينظم الحرارة بالاحتباس الطبيعي، ويحمينا بالأوزون من الأشعة الضارة، ويصنع الطقس والرياح وألوان السماء. لكن هذا التوازن الدقيق يتأثر بالأنشطة البشرية، ولذلك فإن حماية الهواء من التلوث والحد من انبعاثات الغازات مسؤولية مشتركة لضمان صلاحية الأرض للحياة.
.png)