شهدت مكة قبل الإسلام تحولات سياسية مهمة، كان أبرزها انتقال السيادة في مكة إلى قريش بعد أن ظلت زمنا طويلا في يد قبيلة خزاعة. هذا التحول لم يكن حدثا عابرا، بل أسس لنظام إداري وديني واقتصادي استمر قرونا، وكان له أثر مباشر في البيئة التي ظهر فيها الإسلام. نعرض هنا سياق هذا الانتقال، ونتعرف على المناصب التي قامت عليها إدارة البلد الحرام، وعلى أثر ذلك في مكانة قريش بين العرب.
قصة قصي بن كلاب واستعادة مكة


.jpg)


.jpg)

مكة قبل قريش: خلفية تاريخية
تذكر المصادر العربية أن مكة ارتبطت منذ نشأتها بالبيت الذي رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، وأن قبيلة جرهم كانت من أوائل من سكنها وتولى أمرها. ثم ضعفت جرهم بحسب روايات الإخباريين، فآلت الولاية إلى خزاعة التي بقيت تدير شؤون البيت مدة طويلة. وخلال تلك الحقبة كانت ذرية إسماعيل منتشرة في نواحي مكة دون أن تكون لها السلطة الفعلية على البيت.
وتنسب كثير من الروايات إلى عهد خزاعة دخول عبادة الأصنام إلى الجزيرة العربية، إذ يُذكر أن عمرو بن لحي الخزاعي جلبها من الشام. وهي رواية مشهورة في كتب السيرة والتاريخ، ويوردها الباحثون مثالا على التغير الذي أصاب دين إبراهيم في مكة.
من هي قريش؟
قريش قبيلة عدنانية من ولد فهر بن مالك، ويرى كثير من النسابين أن فهرا هو جماع قريش، وقيل النضر بن كنانة. وقد اختلف العلماء في سبب التسمية، فقيل من التقرش وهو التجمع، لأن قصيا جمعها بعد تفرق، وقيل من التقرش بمعنى التكسب والتجارة، وقيل غير ذلك. وكانت بطون قريش قبل قصي متفرقة في الشعاب والأودية حول مكة.
المناصب الكبرى في مكة
قامت إدارة مكة على مجموعة من المناصب التي جمعت بين الشأن الديني والسياسي والاقتصادي، وأهمها:
- الحجابة: وهي سدانة الكعبة وحفظ مفاتيحها، فلا يدخلها أحد إلا بإذن صاحبها.
- السقاية: توفير الماء للحجاج، وكانت مكة شحيحة المياه، فكان لهذا المنصب شأن كبير قبل أن تعود بئر زمزم إلى الظهور على يد عبد المطلب.
- الرفادة: إطعام الحجاج في الموسم من مال يجمع من القبيلة، وهي من مظاهر الكرم التي اعتزت بها العرب.
- اللواء: راية الحرب التي لا تعقد إلا بيد صاحبها.
- دار الندوة: مجلس الشورى الذي تجتمع فيه قريش للنظر في أمورها العامة.
دار الندوة ودورها
تنسب المصادر إلى قصي إنشاء دار الندوة قرب الكعبة، وكانت تعقد فيها مشاورات الحرب والسلم، وتزويج الفتيات، وإعطاء الألوية، وغيرها من الشؤون. ويعدّها المؤرخون نواة لنظام إداري جماعي يقوم على التشاور بين وجوه البطون، وهو أمر لافت في مجتمع قبلي.
تقسيم المناصب بعد قصي
تروي كتب السيرة أن قصيا أعطى المناصب لابنه عبد الدار، ثم وقع خلاف لاحق بين بني عبد الدار وبني عبد مناف، انتهى إلى تقسيم المناصب بينهما، فكانت السقاية والرفادة لبني عبد مناف، وبقيت الحجابة واللواء ودار الندوة لبني عبد الدار. ومن بني عبد مناف خرج هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم، الذي اشتهر بالرفادة.
آثار انتقال السيادة إلى قريش
ترتب على هذا التحول نتائج بعيدة المدى، منها أن قريشا صارت أهل الحرم وجيران البيت، فاكتسبت مكانة دينية عند سائر العرب. ومنها أنها استقرت في مكة بعد التفرق، فصارت قبيلة حضرية منظمة. وقد مهد ذلك لنشاطها التجاري الذي عُرف لاحقا برحلتي الشتاء والصيف المذكورتين في سورة قريش، وهو نشاط ربطها بالشام واليمن والحبشة.
البيئة التي ظهر فيها الإسلام
عندما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم كانت مكة تدار بهذه المناصب الموروثة، وكانت قريش ترى في سيادتها على الحرم مصدر عزها ورزقها. ولذلك يفسر المؤرخون جانبا من مقاومة سادة قريش للدعوة بخوفهم على هذه المكانة ونظامها الاقتصادي القائم على تعظيم العرب للبيت.
أسئلة شائعة
من هو قصي بن كلاب؟
هو الجد الرابع للنبي صلى الله عليه وسلم في سلسلة النسب، وإليه تنسب إعادة تجميع قريش في مكة وتنظيم شؤونها.
ما المقصود بالسقاية والرفادة؟
السقاية توفير الماء للحجيج، والرفادة إطعامهم، وكانتا من أشرف المناصب لما فيهما من خدمة ضيوف البيت.
هل استمرت هذه المناصب بعد الإسلام؟
أقر الإسلام بعض هذه الوظائف التي تخدم الحجاج، فبقيت السقاية في بني هاشم، وبقيت مفاتيح الكعبة في بني شيبة من بني عبد الدار، وهو أمر مشهور في كتب السيرة.
خلاصة
كان انتقال الولاية على البيت من خزاعة إلى قريش على يد قصي بن كلاب منعطفا كبيرا في تاريخ مكة، إذ جمع قصي القبيلة ونظم المناصب وأنشأ دار الندوة، فصارت قريش سيدة الحرم وقوة تجارية ودينية بين العرب، وهي المكانة التي ظهر الإسلام في ظلها.