قصيدة لموظف في وزارة العدل

لم يكن الشعر يومًا حكرًا على الأدباء المحترفين، فكثيرًا ما لجأ إليه الموظف والمعلم والجندي ليعبّروا عما يعتمل في صدورهم من هموم وآمال. ومن هذا اللون تأتي قصيدة لموظف في وزارة العدل، كتبها صاحبها في ساعة متأخرة من الليل في صورة حوار مع النفس، شاكيًا ما رآه ظلمًا وقع عليه وعلى زملائه، ومناشدًا أعلى سلطة في البلاد أن تنصفهم.

نقدم فيما يلي نص القصيدة، ثم نتناول سياقها الأدبي والاجتماعي، فنعرّف بفن الشكوى والمناشدة في الشعر العربي، ونحلل بناءها الفني ومعانيها، ونلقي الضوء على طبيعة عمل موظفي المحاكم ودورهم في منظومة العدالة.

نص قصيدة حديث النفس

قصيدة لموظف في وزارة العدل عن نظام المعهد القضائي

قصيدة من احد موظفي المحاكم المظلومين بنظام المعهد القضائي الجديد يقول فيها:

هذه قصيدة خطتها يميني في ساعة متأخرة من الليل تمثل حواراً مع النفس جراء ما وقع علي وعلى زملائي من الظلم في وزارة العدل الأردنية نتيجة النظام المعدل للمعهد القضائي رقم 53/2014 , أطلقت عليها عنوان "حديث النفس" وقعت على 40 بيت أقول فيها :
تركنا وظائفنا وقلنا يا سماءُ
اروي قلوباً للعدالة عاشقينْ

آثرنا موطننا على كل أرضٍ
فما كنا لغير الله سائليــنْ

نخاطب النفس في كل مساءٍ
ونسمع صدانا والقلب حزين

ترد النفسَ دون أي تكلـفٍ
تقول أيا عدلاء أللحق منكرينْ

أتشكون ظلم نظامٍ جائــرٍ
يحُول عن عدالتكم  سنينْ

قلنا لها يا نفسُ مهلكِ, أنصتي
إن الكلام في حناجرنا مبيـنْ

ثلاثة أعوامٍ قضيناها بجدٍ
نروح ونغدو للمحاكم سائرينْ

نطالع في اليوم ألفُ قضيةٍ
نلازم قضاة بالعدل حاكمينْ

تعلمنا العدالة  على يديهمْ
أملا بيوم لا يظلم فيه سجينْ

وصلنا دون أي مبالغةٍ لحدٍ
نصافح الحقَ بعيون مغمضين


نقدم كل ما علمناه بحبٍ
نجيب على أسئلة السائلين

ترد النفسُ: ويحكم أما تعبتمْ
نقول لها بلا ولكم أمهلين

قالت: أتمو ما قد كنتم بدأتم
إني تعبت من العويل , من الأنين

قلنا لها يا نفس مهلاً, مالكِ
هل يشربُ العقلاءُ ماءً وطين!

إنا لنسقي الماء كلَ بـذرةٍ
ونملئ بالطين أفواه الحاقدينْ

وان بذراتنا آتت غلها , أتيناها
نقدم ما حصدنا من خير وتينْ

ترد علينا النفسُ: أفٍ لما تصفو !!
إن كلامكم  قد أضحى هجينْ

كيف هذا؟ وأبا الحسين بينكمُ
ملكٌ كريمٌ من نسل خير المرسلينْ

هبوا إليه دون أي ترددٍ
لا وقت نضيعه مع صادٍ وسينْ

عنوانه العدلُ في كل مسألةٍ
سيفٌ يسلطه رقاب الظالمين

مهلاً تعالوا إن عندي فكرةً
قلنا لها يا نفس إنا سامعينْ

قالت: تصلوا في الظلماء ركعةًً
تدعون فيها لعبد الله متضرعين

قلنا: سندعو الله ينصر سيد شعبنا
فما لغيره من اكفٍ رافعينْ

يعينه الله لدفع كلِ مظلمةٍ
مهما سرت بين العباد سنينْ

سنشكو إليه مرار ظلمٍ "لتاسعةٍ"
أحاطت بنا عن الشمال وعن اليمين

فما سينفعنا البكاء ولا الرجاء
ولا ستنفعنا صفحات الناشرين

عبد الله وحده من سيرفع ظلمنا
إنا بداره قد غدونا مكرمين

طرقنا الباب دون أي ترددٍ
وفتحت ابوابه كالبرق مسرعينْ

تريح القلب طلت وجههِ
وان اقبل مشينا عن يمين

نعاهده أن نكون له حسامٌ
مشهرتاً بيمينه ليوم الدين

نعاهده أن نكون له جلاءٌ
في كل موقعةٍ من الأرض أو حينْ

نحاكمُ كلَ من بغى بغير حقِ
نحاسبه ونحكمه باسمك طائعينْ

لا نقبل المدح ولا التقرب مننا
وما حدنا لغير الحق لو حينْ

نجابه الظلم دون اي تحفظٍ
لا نخشى بالله لوم اللائمين

نبراسنا الحق ولو أشعارنا مزجت
بشيء من الحزن أو تلٍ للجبينْ

مولاي ان السفينة أبحرت
من غير مجدافٍ أو حبل متينْ

امدد ألينا من البَِريِقِ بتاجكم
شعاعاً متيناً يثبت صارية السفينة

ما أجملُ الأبيات حين نصُفّهَا
من غير شك بالنتيجة قانعين

مولاي هذا ما أصاب نفوسنا
وما في القلب يعلمه رب العالمينْ

مولاي إنا قد اطلنا القول فمعذرةً
إنا عيالك وانك خير الراعيينْ

مع أطيب الأمنيات
الشاعر الحزين

فن الشكوى في الشعر العربي

الشكوى غرض قديم في الشعر العربي، يبث فيه الشاعر ما يعانيه من فقر أو غربة أو ظلم أو جفاء الأحبة وتقلب الأيام. وقد عرفه الشعراء منذ العصر الجاهلي، ثم اتسع في العصور الإسلامية والعباسية حتى صار له رواده المعروفون. وتتميز قصائد الشكوى بنبرة صادقة يغلب عليها الحزن، وبميل إلى المقابلة بين ما يستحقه الشاعر في نظره وما آل إليه حاله.

المناشدة ورفع المظالم شعرًا

من الصور البارزة لهذا الفن ما يمكن تسميته شعر المناشدة، أي القصائد التي يوجهها أصحابها إلى الحكام والولاة طالبين الإنصاف أو العفو أو رفع الضرر. وقد حفظت كتب الأدب نماذج كثيرة لشعراء خاطبوا الخلفاء والأمراء في حوائجهم، فكانت القصيدة وسيلة اتصال رسمية وأدبية في آن واحد. والقصيدة التي بين أيدينا امتداد معاصر لهذا التقليد، إذ يختمها صاحبها بخطاب مباشر للملك يرجو فيه أن يُرفع عن زملائه ما أصابهم.

الحوار مع النفس أسلوبًا فنيًا

اختار الشاعر بناء قصيدته على محاورة بينه وبين نفسه، وهو أسلوب عرفه الشعر العربي قديمًا في مخاطبة القلب والعقل والطيف والصاحب. ويمنح هذا الأسلوب النص حيوية درامية، فالنفس تسأل وتعاتب وتقترح، والشاعر يجيب ويبرر ويحتج، فيتحول الهم الفردي إلى مشهد حي يتابعه القارئ.

قراءة في معاني القصيدة

تتدرج القصيدة في مراحل واضحة يمكن تتبعها:

  1. الاستهلال بالتضحية والانتماء: يبدأ الشاعر بالحديث عن ترك الوظائف السابقة وإيثار الوطن، ليؤكد أن الدافع كان حب العدالة لا المكسب.
  2. استعراض سنوات الخدمة: يصور ملازمة القضاة والاطلاع على القضايا يومًا بعد يوم، وما اكتسبه من خبرة في أروقة المحاكم.
  3. عتاب النفس وترددها: تتعب النفس وتدعو إلى التوقف، فيرد الشاعر بالصبر والتمسك بالأمل.
  4. اللجوء إلى رأس الدولة: تقترح النفس التوجه إلى الملك والدعاء له، فيتحول النص إلى مناشدة صريحة.
  5. العهد والوفاء: يختم الشاعر بتعهد بأن يكون وزملاؤه أوفياء للحق، رافضين المحاباة ومجابهين الظلم.

البناء الفني واللغة

التزم الشاعر قافية تنتهي بالياء والنون في أغلب الأبيات، وهي قافية سهلة الجريان تناسب نبرة الشكوى والامتداد الصوتي للأنين. ويلاحظ القارئ أن لغة القصيدة قريبة من لغة الحياة اليومية، تمزج بين الفصحى والتعابير المألوفة، وتعتمد على الصور المباشرة أكثر من الاستعارات المعقدة، كصورة سقي البذور بالماء، وصورة السفينة التي تبحر بلا مجداف. كما يظهر أثر المعجم الإداري والقانوني في ألفاظ مثل القضية والنظام والمحاكم والعدالة، وهو ما يمنح النص هوية مهنية خاصة.

بين الصدق الفني والضبط العروضي

يعكس النص صدق التجربة وحرارة الانفعال أكثر مما يعكس الحرص على الصنعة العروضية الدقيقة، وهذا شأن كثير من قصائد الهواة الذين يكتبون للتعبير لا للمسابقات. وتبقى قيمته في كونه وثيقة وجدانية تسجل شعور فئة من الموظفين في مرحلة معينة.

الشعر بوصفه صوتًا للموظف العادي

شهد العصر الحديث اتساعًا ملحوظًا في دائرة من يكتبون الشعر، بفضل انتشار التعليم ثم ظهور الصحف والمنتديات ومنصات التواصل التي أتاحت لكل شخص أن ينشر ما يكتب. وأصبحت القصيدة وسيلة يعبر بها العاملون في المؤسسات عن قضاياهم المهنية، كالمطالبة بتحسين الأجور أو الاعتراض على أنظمة جديدة أو رثاء زميل راحل. وتتميز هذه الكتابات بأنها قريبة من الواقع اليومي، تتحدث بلغة يفهمها الجميع، وتحمل شحنة عاطفية صادقة حتى إن لم تبلغ مستوى الشعراء الكبار. كما أنها تكشف عن ثقة الكاتب بأن الكلمة الموزونة أقدر على لفت الانتباه من الشكوى النثرية المعتادة، وهو اعتقاد له جذور عميقة في الثقافة العربية التي جعلت الشعر ديوانها وسجل أحوالها.

موظفو المحاكم ودورهم في منظومة العدالة

يقف خلف كل جلسة قضائية فريق من الموظفين لا يراه الجمهور كثيرًا، لكنه يحمل عبئًا كبيرًا من العمل. ومن أبرز مهامهم:

  • تسجيل الدعاوى والطلبات وتنظيم ملفاتها وأرشفتها.
  • تدوين محاضر الجلسات وما يدور فيها من إجراءات.
  • إعداد التبليغات القضائية ومتابعة مواعيدها.
  • تنفيذ قرارات المحاكم الإدارية ومساعدة القضاة في الأعمال الكتابية.
  • إرشاد المراجعين والمحامين إلى الإجراءات المطلوبة.
  • حفظ المستندات والأدلة المودعة لدى المحكمة وضمان سلامتها.

ومن الطبيعي أن يتطلع هؤلاء الموظفون، بعد سنوات من الخبرة، إلى التطور المهني والالتحاق بالمسارات القضائية، ولذلك تثير التعديلات على شروط القبول في برامج إعداد القضاة اهتمامهم الشديد، وقد تكون سببًا في كتابات تعبر عن الأمل أو الخيبة كما في هذه القصيدة.

أسئلة شائعة

ما الغرض الشعري الذي تنتمي إليه القصيدة؟

تجمع بين غرض الشكوى وغرض المناشدة، مع حضور واضح للولاء الوطني والدعاء لولي الأمر.

لماذا سماها صاحبها حديث النفس؟

لأنها مبنية على حوار متخيل بين الشاعر ونفسه في ساعة خلوة وسهر، تتساءل فيه النفس ويجيب هو، فيكشف الحوار عن صراعه الداخلي بين اليأس والأمل.

هل للقصيدة قيمة توثيقية؟

نعم، فهي تعبر عن مشاعر شريحة من العاملين في القطاع العام إزاء تغيير تنظيمي معين، وهذا النوع من النصوص يفيد الباحثين في دراسة الأدب الشعبي والاجتماعي المعاصر، وفي فهم العلاقة بين التشريعات الإدارية وردود أفعال من تمسهم مباشرة.

خلاصة

تكشف هذه القصيدة كيف يبقى الشعر ملاذًا للتعبير عن الهموم المهنية والاجتماعية، وكيف يستعيد الكاتب المعاصر تقاليد عريقة كالشكوى والمناشدة ومحاورة النفس ليوصل صوته. وبعيدًا عن تقييم مضمون الخلاف الإداري الذي أشار إليه صاحبها، يظل النص شاهدًا إنسانيًا على تطلع العاملين في خدمة العدالة إلى الإنصاف والتقدير.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !