تعد قصيدة بك أستجير من أشهر الابتهالات الشعرية المتداولة في المجالس والمواقع، وتنسب في كثير منها إلى الشاعر الصوفي ابن الفارض. وتحمل أبياتها معاني الاستغاثة بالله والاعتراف بالتقصير والتأمل في آيات الخلق.
وبعد عرض الأبيات نقدم تعريفًا بابن الفارض وسيرته ومكانته في الشعر الصوفي، ونتناول موضوعات القصيدة وأسلوبها، مع إشارة إلى مسألة نسبتها، وأسئلة شائعة حول هذا اللون من الأدب.
بن الفارض، شاعر الروح والوجد، وناطق الأسرار الصوفية بلسانٍ من ذهب. لا يُكتب اسمه إلا وتُفتح بوابات العشق الإلهي، فهو الذي صاغ للحب قصائده فصارت مرايا للغيب، تتجلى فيها النفوس وترقص المعاني على أوتار الغياب والحضور.
في ديوانه تسكن الصحراء، وتغرد الأرواح، وتتنفس الكلمات نورًا لا يُطفأ… وكأن قلمه كان يستقي الحبر من نهر الجمال الخالص. إن قرأت له، أغدقت عليك الحروف وكأنها طيفٌ من الوجد يتغلغل فيك.
بك أستجير ومن يجير سواكا *** فأجر ضعيفا يحتمي بحماك
إني ضعيف أستعين على قوى *** ذنبي ومعصيتي ببعض قواكا
أذنبت ياربي وآذتني ذنوب *** مالها من غافر إلا كا
دنياي غرتني وعفوك غرني *** ماحيلتي في هذه أو ذا كا
لو أن قلبي شك لم يك مؤمنا *** بكريم عفوك ما غوى وعصاكا
يا مدرك الأبصار ، والأبصار لا *** تدري له ولكنه إدراكا
أتراك عين والعيون لها مدى *** ما جاوزته ، ولا مدى لمداكا
إن لم تكن عيني تراك فإنني *** في كل شيء أستبين علاكا
يامنبت الأزهار عاطرة الشذا *** هذا الشذا الفواح نفح شذاكا
يامرسل الأطيار تصدح في الربا *** صدحاتها إلهام [. ...]
يامجري الأنهار : ماجريانها *** إلا انفعالة قطرة لنداكا
رباه هأنذا خلصت من الهوى *** واستقبل القلب الخلي هواكا
وتركت أنسي بالحياة ولهوها *** ولقيت كل الأنس في نجواكا
ونسيت حبي واعنزلت أحبتي *** ونسيت نفسي خوف أن أنساكا
ذقت الهوا مراً ولم أذق الهوى *** يارب حلواً قبل أن أهواكا
أنا كنت ياربي أسير غشاوة *** رانت على قلبي فضل سناكا
واليوم ياربي مسحت غشاوتي *** وبدأت بالقلب البصير أراكا
ياغافر الذنب العظيم وقابلا *** للتوب: قلب تائب ناجاكا
أترده وترد صادق توبتي *** حاشاك ترفض تائبا حاشاك
يارب جئتك نادماً أبكي على *** ما قدمته يداي لا أتباكى
أنا لست أخشى من لقاء جهنم *** وعذابها لكنني أخشاكا
أخشى من العرض الرهيب عليك يا *** ربي وأخشى منك إذ ألقاكا
يارب عدت إلى رحابك تائباً *** مستسلما مستمسكاً بعراكا
مالي وما للأغنياء وأنت يا *** رب الغني ولا يحد غناكا
مالي وما للأقوياء وأنت يا *** ربي ورب الناس ماأقواكا
مالي وأبواب الملوك وأنت من *** خلق الملوك وقسم الأملاكا
إني أويت لكل مأوى في الحياة *** فما رأيت أعز من مأواكا
وتلمست نفسي السبيل إلى النجاة *** فلم تجد منجى سوى منجاكا
وبحثت عن سر السعادة جاهداً *** فوجدت هذا السر في تقواكا
فليرض عني الناس أو فليسخطوا *** أنا لم أعد أسعى لغير رضاكا
أدعوك ياربي لتغفر حوبتي *** وتعينني وتمدني بهداكا
فاقبل دعائي واستجب لرجاوتي *** ماخاب يوما من دعا ورجاكا
يارب هذا العصر ألحد عندما *** سخرت ياربي له دنياكا
علمته من علمك النوويَّ ما *** علمته فإذا به عاداكا
ما كاد يطلق للعلا صاروخه *** حتى أشاح بوجهه وقلاكا
واغتر حتى ظن أن الكون في*** يمنى بني الانسان لا يمناكأ
و ما درى الانسان أن جميع ما *** وصلت إليه يداه من نعماكا؟
أو ما درى الانسان أنك لو أردت *** لظلت الذرات في مخباكا
لو شئت ياربي هوى صاروخه *** أو لو أردت لما أستطاع حراكا
يأيها الانسان مهلا وائتئذ *** واشكر لربك فضل ماأولاكا
واسجد لمولاك القدير فإنما *** مستحدثات العلم من مولاكا
الله مازك دون سائر خلقه *** وبنعمة العقل البصير حباكا
أفإن هداك بعلمه لعجيبة *** تزور عنه وينثني عطفاكا
إن النواة ولكترنات التي *** تجري يراها الله حين يراكا
ماكنت تقوى أن تفتت ذرة *** منهن لولا الله الذي سواكا
كل العجائب صنعة العقل الذي *** هو صنعة الله الذي سواكا
والعقل ليس بمدرك شيئا اذا *** مالله لم يكتب له الإدراكا
لله في الآفاق آيات لعل *** أقلها هو ما إليه هداكا
ولعل ما في النفس من آياته *** عجب عجاب لو ترى عيناكا
والكون مشحون بأسرار إذا *** حاولت تفسيراً لها أعياكا
قل للطبيب تخطفته يد الردى *** ياشافي الأمراض : من أرداكا؟
قل للمريض نجا وعوفي بعد ما *** عجزت فنون الطب : من عافاكا؟
قل للصحيح يموت لا من علة *** من بالمنايا ياصحيح دهاكا؟
قل للبصير وكان يحذر حفرة ***فهوى بها من ذا الذي أهواكا؟
بل سائل الأعمى خطا بين الزَّحام *** بلا اصطدام : من يقود خطاكا؟
قل للجنين يعيش معزولا بلا *** راع ومرعى : مالذي يرعاكا؟
قل للوليد بكى وأجهش بالبكاء *** لدى الولادة : مالذي أبكاكا؟
وإذا ترى الثعبان ينفث سمه *** فاسأله : من ذا بالسموم حشاكا؟
وأسأله كيف تعيش ياثعبان أو *** تحيا وهذا السم يملأ فاكا؟
وأسأل بطون النحل كيف تقاطرت ***شهداً وقل للشهد من حلاَّكا؟
بل سائل اللبن المصفى كان بين *** دم وفرث مالذي صفاكا؟
وإذا رأيت الحي يخرج من حنايا *** ميت فاسأله: من أحياكا؟
وإذا ترى ابن السودِ أبيضَ ناصعاً *** فاسأله : مِنْ أين البياضُ أتاكا؟
وإذا ترى ابن البيضِ أسودَ فاحماً *** فاسأله: منْ ذا بالسواد طلاكا؟
قل للنبات يجف بعد تعهد *** ورعاية : من بالجفاف رماكا؟
وإذا رأيت النبت في الصحراء يربو *** وحده فاسأله : من أرباكا؟
وإذا رأيت البدر يسري ناشرا *** أنواره فاسأله : من أسراكا؟
وأسأل شعاع الشمس يدنو وهي أبعد *** كلّ شيء مالذي أدناكا؟
قل للمرير من الثمار من الذي *** بالمر من دون الثمار غذاكا؟
وإذا رأيت النخل مشقوق النوى *** فاسأله : من يانخل شق نواكا؟
وإذا رأيت النار شب لهيبها *** فاسأل لهيب النار: من أوراكا؟
وإذا ترى الجبل الأشم منا طحاً *** قمم السحاب فسله من أرساكا؟
وإذا رأيت النهر بالعذب الزلال *** جرى فسله؟ من الذي أجراكا؟
وإذا رأيت البحر بالملح الأجاج *** طغى فسله: من الذي أطغاكا؟
وإذا رأيت الليل يغشى داجيا *** فاسأله : من ياليل حاك دجاكا؟
وإذا رأيت الصبح يُسفر ضاحياً *** فاسأله: من ياصبح صاغ ضحاكا؟
هذي عجائب طالما أخذت بها *** عيناك وانفتحت بها أذناكا!
والله في كل العجائب ماثل *** إن لم تكن لتراه فهو يراكا؟
يا أيها الإنسان مهلا مالذي *** بالله جل جلاله أغراكا؟
حاذر إذا تغزو الفضاء فربما *** ثآر الفضاء لنفسه فغزاكا؟
اغز الفضاء ولا تكن مستعمراً *** أو مستغلا باغيا سفاكا
إياك ان ترقى بالاستعمار في *** حرم السموات العلا إياكا
إن السموات العلا حرم طهور *** يحرق المستعمر الأفاكا
اغز الفضاء ودع كواكبه سوابح *** إن في تعوبقهن هلاكا!
إن الكواكب سوف يفسد أمرها *** وتسيء عقباها إلى عقباكا
ولسوف تعلم أن في هذا قيام *** الساعة الكبرى هنا وهناكا
أنا لا أثبط من جهود العلم أو *** أنا في طريقك أغرس الأشواكا
لكنني لك ناصح فالعلم إن *** أخطأت في تسخيره أفناكا
سخر نشاط العلم في حقل الرخاء *** يصغ من الذهب النضار ثراكا
سخره يملأ بالسلام وبالتعاون *** عالماً متناحراً سفاكا
وادفع به شر الحياة وسوءها *** وامسح بنعمى نوره بؤساكا
العلم إحياء وإنشاء وليس *** العلم تدميراً ولا إهلاكا
فإذا أردت العلم منحرفاً فما *** أشقى الحياة به وما اشقاكا
هو أبو حفص عمر بن علي بن مرشد الحموي الأصل المصري المولد والوفاة، عاش بين أواخر القرن السادس والنصف الأول من القرن السابع الهجريين، ونشأ في القاهرة. وعرف بلقب سلطان العاشقين لكثرة ما نظمه في الحب الإلهي. وتذكر المصادر أنه أمضى مدة من حياته في مكة متعبدًا، ثم عاد إلى مصر حيث توفي ودفن في سفح المقطم.
تنتشر هذه الأبيات منسوبة إلى ابن الفارض، لكن الباحث المتأني يحسن أن يرجع إلى طبعات ديوانه المحققة للتثبت من النسبة، لأن كثيرًا من القصائد الابتهالية تنسب على الألسنة إلى شعراء مشهورين دون توثيق كاف. كما يلاحظ أن أسلوبها المباشر السهل يختلف عن الأسلوب الرمزي الكثيف الذي اشتهرت به قصائد ابن الفارض الكبرى.
يفتتح الشاعر بالالتجاء إلى الله، ويقر بضعفه أمام الذنوب، ويرى أن لا ملجأ له إلا عفو ربه.
ينتقل إلى الأزهار والطيور والأنهار، فيراها شواهد على عظمة الخالق، وهذا من أساليب الشعر الديني في الربط بين الطبيعة والإيمان.
يصور الشاعر رحلة القلب من التعلق بالدنيا إلى الأنس بالمناجاة، وهي فكرة محورية في الأدب الصوفي.
تتميز الأبيات بوحدة القافية والروي، ووضوح الألفاظ، والإكثار من أسلوب النداء، والمقابلة بين الضعف الإنساني والكرم الإلهي، مما يجعلها قريبة من قلوب القراء وسهلة الإنشاد.
لأن شعره دار في معظمه حول المحبة الإلهية والوجد الروحي، فعد إمامًا في هذا الفن.
نعم، فهي من القصائد التي يرددها المنشدون في الأمسيات الدينية لما فيها من معاني الرجاء والتوبة.
تجمع هذه القصيدة بين الاستغاثة والتأمل والتوبة في لغة سهلة مؤثرة، وتعكس روح الشعر الصوفي الذي برع فيه ابن الفارض. ومع شيوع نسبتها إليه، يبقى الرجوع إلى المصادر المحققة سبيلًا لمعرفة قائلها بيقين.