شهد عام 2011 تحركاً دبلوماسياً فلسطينياً لافتاً نحو الأمم المتحدة، رافقته ضغوط دولية على الفلسطينيين لثنيهم عن طلب العضوية في الأمم المتحدة والعودة إلى المفاوضات المباشرة. وفي هذا المقال نعرض الخبر كما نُشر في حينه، ثم نقدم خلفية مبسطة عن آلية قبول الدول في المنظمة الدولية وموقع القضية الفلسطينية فيها.
ستتعرف في الأقسام التالية على شروط العضوية وإجراءاتها، والفرق بين العضوية الكاملة وصفة المراقب، ودور مجلس الأمن وحق النقض، إضافة إلى أبرز المحطات المعروفة في مسار الحضور الفلسطيني داخل منظومة الأمم المتحدة.
تفاصيل الضغوط الدولية
تواصل دول أوروبا والولايات المتحدة مساعيها لبحث سبل إقناع الفلسطينيين بالتخلي عن طلب العضوية في الأمم المتحدة، قبل استئناف المفاوضات مع إسرائيل، حيث يسعى المجتمع الدولي جاهدا لتجنب تزايد الخلافات الفلسطينية الإسرائيلية، مما قد يؤدي إلى نسف عملية السلام في الشرق الأوسط.كيف تنضم الدول إلى الأمم المتحدة؟
تأسست منظمة الأمم المتحدة عام 1945 بعد الحرب العالمية الثانية، ويحدد ميثاقها شروط الانضمام إليها. وتنص المادة الرابعة من الميثاق على أن العضوية مفتوحة لجميع الدول المحبة للسلام التي تقبل الالتزامات الواردة فيه، وتكون في رأي المنظمة قادرة على تنفيذها وراغبة في ذلك.
خطوات طلب العضوية
- تقديم الطلب: ترسل الدولة الراغبة طلباً رسمياً إلى الأمين العام للأمم المتحدة، مرفقاً بإعلان قبولها التزامات الميثاق.
- النظر في مجلس الأمن: يحيل الأمين العام الطلب إلى مجلس الأمن، الذي يحيله عادة إلى لجنة قبول الأعضاء الجدد لدراسته.
- التوصية: يحتاج الطلب إلى توصية من مجلس الأمن، ويشترط لصدورها موافقة تسعة أعضاء على الأقل من أصل خمسة عشر، مع عدم استخدام أي من الأعضاء الدائمين حق النقض.
- تصويت الجمعية العامة: بعد التوصية تصوت الجمعية العامة على القبول، ويتطلب القرار أغلبية الثلثين من الأعضاء الحاضرين المصوتين.
حق النقض ودوره
يملك الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن، وهم الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا والمملكة المتحدة، حق النقض المعروف بالفيتو، الذي يتيح لأي منهم منع صدور قرارات المجلس في المسائل الموضوعية. ولذلك فإن اعتراض دولة واحدة دائمة العضوية يكفي لتعطيل التوصية بقبول عضو جديد، مهما بلغ حجم التأييد في الجمعية العامة.
تركيبة مجلس الأمن
يتألف مجلس الأمن من خمسة عشر عضواً، منهم خمسة دائمون، وعشرة غير دائمين تنتخبهم الجمعية العامة لمدة سنتين وفق توزيع جغرافي يراعي المجموعات الإقليمية المختلفة. ويتحمل المجلس بموجب الميثاق المسؤولية الرئيسية عن حفظ السلم والأمن الدوليين، وتكون قراراته في بعض الحالات ملزمة للدول الأعضاء، بخلاف قرارات الجمعية العامة التي تُعد في الغالب توصيات ذات وزن سياسي وأخلاقي. ولهذا تحرص الأطراف المختلفة في أي نزاع دولي على حشد التأييد داخل المجلس، وتراقب مواقف الدول الدائمة بشكل خاص.
حالات تاريخية مشابهة
لم تكن مسألة تعطيل طلبات العضوية جديدة على المنظمة، ففي سنواتها الأولى خلال الحرب الباردة تعثرت طلبات عدد من الدول بسبب تبادل الاعتراضات بين المعسكرين الشرقي والغربي، حتى جرى التوصل في منتصف الخمسينيات إلى تسوية سمحت بقبول مجموعة كبيرة من الدول دفعة واحدة. ويوضح ذلك أن قبول الأعضاء الجدد لم يكن يوماً مسألة قانونية بحتة، بل تتداخل فيه الحسابات السياسية للقوى الكبرى.
العضوية الكاملة وصفة المراقب
تميز الأمم المتحدة بين الدول الأعضاء التي تتمتع بكامل الحقوق، ومنها حق التصويت في الجمعية العامة، وبين جهات تحمل صفة المراقب، تستطيع حضور الاجتماعات والمشاركة في النقاشات دون أن يكون لها حق التصويت الكامل.
أنواع صفة المراقب
- دولة مراقبة غير عضو: وهي صفة تمنح لكيانات معترف بها دولاً لكنها ليست أعضاء في المنظمة، ومن أشهر أمثلتها الكرسي الرسولي في الفاتيكان.
- كيانات ومنظمات مراقبة: تشمل منظمات إقليمية ودولية وكيانات أخرى تُدعى للمشاركة في أعمال الجمعية العامة.
وكانت منظمة التحرير الفلسطينية قد حصلت على صفة المراقب في الجمعية العامة منذ سبعينيات القرن العشرين، ثم تطورت تسمية التمثيل الفلسطيني لاحقاً لتصبح فلسطين.
محطات في الحضور الفلسطيني بالأمم المتحدة
ارتبطت القضية الفلسطينية بالأمم المتحدة منذ سنواتها الأولى، فقد أصدرت الجمعية العامة عام 1947 قرار التقسيم المعروف، وأنشأت المنظمة لاحقاً وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين المعروفة باسم الأونروا لتقديم الخدمات للاجئين. كما صدرت عن مجلس الأمن والجمعية العامة قرارات عديدة تتعلق بالأراضي المحتلة واللاجئين والقدس.
طلب العضوية عام 2011
في سبتمبر 2011 قدم الرئيس الفلسطيني محمود عباس طلباً رسمياً للحصول على العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة، وسط معارضة إسرائيلية وأمريكية، ومحاولات أوروبية لإيجاد صيغة تعيد الطرفين إلى التفاوض. وقد أُحيل الطلب إلى مجلس الأمن ولجنة القبول، لكنه لم يحصل على التوصية اللازمة في تلك المرحلة.
صفة الدولة المراقبة عام 2012
بعد تعثر مسار العضوية الكاملة، توجه الفلسطينيون إلى الجمعية العامة، التي صوتت في نوفمبر 2012 بأغلبية كبيرة على منح فلسطين صفة دولة مراقبة غير عضو. وقد اعتُبرت هذه الخطوة ارتقاء في مكانة التمثيل الفلسطيني، إذ فتحت الباب أمام الانضمام إلى عدد من المعاهدات والمنظمات الدولية. وسبق ذلك قبول فلسطين عضواً كاملاً في منظمة اليونسكو في أكتوبر 2011.
أهمية الانضمام إلى المنظمات المتخصصة
تضم منظومة الأمم المتحدة إلى جانب أجهزتها الرئيسية عدداً كبيراً من الوكالات المتخصصة، مثل منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة ومنظمة اليونسكو، ولكل منها قواعدها الخاصة في قبول الأعضاء. ويتيح الانضمام إلى هذه الوكالات المشاركة في البرامج الدولية والاستفادة من الدعم الفني، كما يمنح حضوراً رسمياً في المحافل المتخصصة. ولهذا اتجهت الدبلوماسية الفلسطينية إلى هذه المنظمات بوصفها مساراً موازياً لتعزيز الحضور الدولي، وهو ما أثار بدوره ردود فعل من بعض الدول المعارضة لهذا التوجه، إذ ترتبط قوانين بعض الدول بتمويل هذه المنظمات بمواقفها من مثل هذه العضويات.
جدل المسار الأممي والمفاوضات الثنائية
تعكس الضغوط التي تناولها الخبر خلافاً أعمق حول الطريق إلى التسوية. فالرأي الذي تبنته إسرائيل والولايات المتحدة آنذاك يرى أن الدولة الفلسطينية يجب أن تقوم عبر اتفاق تفاوضي مباشر بين الطرفين، وأن التوجه إلى الأمم المتحدة خطوة أحادية. أما الموقف الفلسطيني فاستند إلى أن سنوات طويلة من المفاوضات لم تحقق النتيجة المرجوة، وأن الاعتراف الدولي يعزز موقف الفلسطينيين ولا يتعارض مع التفاوض بل يدعمه.
دوافع الأطراف الدولية
- رغبة بعض الدول الأوروبية في الحفاظ على عملية السلام وتجنب تصعيد قد ينعكس على استقرار المنطقة.
- التزام الولايات المتحدة بموقف يربط إقامة الدولة الفلسطينية بالمفاوضات المباشرة.
- تأييد عدد كبير من دول العالم، خاصة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، للاعتراف بالدولة الفلسطينية.
- حسابات تتعلق بالمساعدات المالية المقدمة للسلطة الفلسطينية وبالعلاقات الثنائية مع الأطراف المختلفة.
مفهوم الاعتراف بالدول في القانون الدولي
يناقش فقهاء القانون الدولي منذ زمن طويل طبيعة الاعتراف بالدول، فمنهم من يرى أن الدولة تنشأ متى توافرت عناصرها الأساسية من شعب وإقليم وسلطة قادرة على إقامة العلاقات الدولية، ويكون الاعتراف كاشفاً لوجودها، ومنهم من يرى أن الاعتراف ذاته هو ما يمنحها الشخصية القانونية الدولية. وتكتسب عضوية الأمم المتحدة أهمية خاصة في هذا السياق لأنها تعني قبول المجتمع الدولي الجماعي للدولة.
ويُفرق الفقه كذلك بين الاعتراف الصريح الذي يصدر في إعلان رسمي، والاعتراف الضمني الذي يُستنتج من تصرفات مثل إقامة علاقات دبلوماسية أو توقيع اتفاقيات ثنائية، وكلاهما يترك آثاراً قانونية وسياسية في علاقة الدولة المعترفة بالكيان المعترف به.
أسئلة شائعة
هل تستطيع الجمعية العامة قبول عضو جديد دون مجلس الأمن؟
وفق الميثاق والتفسير المعتمد له، لا تستطيع الجمعية العامة قبول دولة عضواً كاملاً دون توصية مسبقة من مجلس الأمن، وهو ما أكده رأي استشاري لمحكمة العدل الدولية في منتصف القرن العشرين.
ما الفرق العملي بين العضوية وصفة الدولة المراقبة؟
الدولة العضو تصوت في الجمعية العامة ويمكن انتخابها لعضوية مجلس الأمن والهيئات المختلفة، أما الدولة المراقبة فتشارك في النقاشات وتحضر الاجتماعات، لكن حقوقها في التصويت والترشح محدودة.
كم عدد الدول التي تعترف بدولة فلسطين؟
تعترف بها أغلبية واضحة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، ويتغير العدد بمرور الوقت مع انضمام دول جديدة إلى قائمة المعترفين، لذا يُستحسن الرجوع إلى مصادر رسمية حديثة لمعرفة الرقم الدقيق.
خلاصة
يكشف الخبر عن مرحلة دقيقة من مسار القضية الفلسطينية، حين سعت القيادة الفلسطينية إلى انتزاع عضوية كاملة في الأمم المتحدة، بينما مارست أطراف دولية ضغوطاً لإعادتها إلى طاولة المفاوضات. وتوضح آلية القبول في المنظمة الدولية، القائمة على توصية مجلس الأمن وتصويت الجمعية العامة، سبب صعوبة هذا المسار في ظل حق النقض. ومع ذلك شهدت السنوات التالية خطوات مهمة، أبرزها عضوية اليونسكو وصفة الدولة المراقبة غير العضو، لتبقى المسألة حاضرة على جدول أعمال الدبلوماسية الدولية حتى اليوم، وموضع اهتمام الباحثين والمتابعين.
.png)