المجاهرة في المعصية

من القضايا الأخلاقية التي حذر منها الإسلام تحذيرًا خاصًا المجاهرة في المعصية، أي أن يرتكب الإنسان الذنب ثم يتحدث عنه أمام الناس متباهيًا أو غير مبالٍ، بعد أن ستره الله عليه. وقد ورد في الحديث النبوي المشهور أن الأمة كلها في عافية إلا المجاهرين، وهو ما يكشف خطورة هذا السلوك على الفرد والمجتمع.

نتناول في هذا المقال معنى المجاهرة وصورها، ثم نتوسع في شرح الحديث، وحكمة الستر في الإسلام، والفرق بين المجاهرة وطلب النصح أو العلاج، ومظاهرها المعاصرة على وسائل التواصل، وآثارها، وطريق التوبة، مع الإشارة إلى أن تفاصيل الأحكام يرجع فيها إلى أهل العلم.

معنى المجاهرة وصورها


المجاهرة بالمعصية وحديث كل أمتي معافى إلا المجاهرين

قآل رسول الله صلى الله عليه وسلم :
« كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى ، إِلَّا الْمُجَاهِرِينَ ، وَإِنَّ مِنْ الْمُجَاهَرَةِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ بِاللَّيْلِ عَمَلًا ثُمَّ يُصْبِحَ وَقَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ : يَا فُلَانُ عَمِلْتُ الْبَارِحَةَ كَذَا وَكَذَا ، وَقَدْ بَاتَ يَسْتُرُهُ رَبُّهُ ، وَيُصْبِحُ يَكْشِفُ سِتْرَ اللَّهِ عَنْهُ »

في حقيقة الأمر لقد أحببت اليوم أن أتكلم لكم عن المجاهره بالمعصيه ، والمقصود بالمجاهرة في المعصية هي ارتكاب الشخص لأمر محرم شرعاً ، دون أن يعلم بفعله المحرم أي شخص أو دون علم فئة معينة لفعله ، فيأتي بعد ذلك ويحدث الأخرين حول ذلك الفعل مفاخراً ، دون خوف أو وجل من الله عز وجل مباه الأخرين بأنه زنى او سرق او شرب الخمر وهكذا.. وقد انتشرت المجاهرة في المعصية بين شباب هذه الأمة للأسف الشديد .


لعل المجاهرة في المعصية مرض نفسي قبل أن يكون شذوذ ديني فبعض هؤولاء الأشخاص يظنون بأن عليهم التحدث عن افعالهم السيئة في محاولة لإظهار القوة وكذلك ابهار المستمعين ، ولكن هل يمكن لعاقل سليم الفطرة إظهار قوته أمام اشخاص بتحدٍ لله عز وجل ، كما أن هنالك اشخاص يحدثون عن افعالهم ، كونهم شاذين محبين لإنتشار المحرمات فيما بين المسلمين.
قال تعالى ( إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا , لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ )

- قبل اسبوع حدثني احد الاخوة وهو يعمل بمهنة التعليم ، لقد كنت ناصحاً لطلابي بأن يحسنوا الوضوء كون الماء لايصل الى بشكل جيد ، فقام احد الطلاب وقال " نحن لانصلي اساسا يا استاذ".

والبعض يقول لأصدقاءه مثلاً " اليوم تقاتلت او تضاربت مع أمي لأنها تريد ان .....".
 قآل تعآلى :- 

( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19)

صدق الله العظيم
في النهاية إذا بوليتم فاستتروا ، اذا ارتكبت معصية ، لا تخبر بها احداً "متباه" فالذنب إثنين وربما أكثر، فكلما رويت قصة معصيتك كلما حملت ذنباً ، والويل لك إن قام احد بعمل نفس الذنب وكان فعلك له دافع...

شرح الحديث النبوي

الحديث رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه بيان أن جميع أفراد الأمة يرجى لهم العفو والمعافاة، إلا من جاهر بذنبه. وقد ذكر شراح الحديث أن معنى معافى أي يعفى عن ذنبه أو يسلم من عقوبة الدنيا والفضيحة، وأن المجاهرين مستثنون من ذلك لأنهم هتكوا الستر بأنفسهم. وضرب النبي صلى الله عليه وسلم مثلًا بالرجل الذي يعمل الذنب ليلًا ويبيت والله يستره، ثم يصبح فيحدث الناس بما فعل، فيكشف ستر الله عنه.

لماذا كانت المجاهرة أشد؟

يذكر العلماء أسبابًا عدة لتشديد أمر المجاهرة، منها أنها تدل على استخفاف بحرمة الله وقلة حياء منه ومن الناس، وأنها تهون المعصية في نفوس السامعين وتغري بعضهم بتقليدها، وأنها تنقل الذنب من دائرة الضعف البشري الذي يرجى معه التوبة إلى دائرة التحدي والاستهانة. كما أن الحياء من الإيمان، ومن فقده سهل عليه فعل كل قبيح.

الستر في الإسلام

من أسماء الله تعالى الستير، فهو سبحانه يحب الستر ويستر عباده، ويدعوهم إلى الستر على أنفسهم وعلى غيرهم. وقد وردت نصوص تحث على ستر المسلم لأخيه، وأن من ستر مسلمًا ستره الله في الدنيا والآخرة. ويرى العلماء أن الأصل أن يستر الإنسان على نفسه إذا وقع في ذنب، وأن يبادر إلى التوبة بينه وبين ربه، دون أن يفضح نفسه أمام الناس.

حكمة الستر

  • إتاحة الفرصة للمذنب كي يتوب ويصلح حاله دون أن تلاحقه وصمة اجتماعية.
  • حماية المجتمع من شيوع الفاحشة وتطبيع المنكرات.
  • صيانة الأعراض وحفظ سمعة الأسر.
  • تعزيز الرحمة والتراحم بين الناس بدل التشهير والتتبع.

الفرق بين المجاهرة وطلب النصح أو العلاج

ينبه أهل العلم إلى أن ذكر الذنب لا يكون مجاهرة في كل حال، فهناك فرق واضح بين من يتحدث عن معصيته افتخارًا واستهانة، ومن يذكرها لحاجة مشروعة، ومن صور ذلك:

  • استفتاء عالم موثوق في حكم ما وقع فيه ليعرف كيف يتوب ويصحح وضعه.
  • استشارة طبيب أو مختص نفسي في سلوك إدماني يريد التخلص منه.
  • طلب النصيحة من شخص أمين حكيم يعينه على الإقلاع.
  • رد الحقوق إلى أصحابها إذا كان الذنب متعلقًا بحقوق الآخرين.

فهذه الحالات مقصدها الإصلاح لا التباهي، ويحسن أن تكون في نطاق ضيق مع من يحفظ السر.

المجاهرة في العصر الرقمي

أضافت وسائل التواصل الاجتماعي أبعادًا جديدة لهذه الظاهرة، إذ صار بإمكان أي شخص أن ينشر صورًا أو مقاطع أو منشورات يتباهى فيها بأفعال محرمة، فتصل إلى آلاف أو ملايين المتابعين في دقائق. وتكمن خطورة ذلك في أن المحتوى يبقى منتشرًا ويصعب حذفه، وقد يقلده المراهقون بحثًا عن الشهرة والإعجاب. ويحذر المربون من ثقافة التفاخر بالخطأ التي قد تتحول إلى وسيلة لجذب الانتباه، ويؤكدون أهمية تربية الأبناء على الحياء والمسؤولية الرقمية.

نصائح للشباب

  1. فكر قبل النشر: هل ترضى أن يبقى ما تنشره مرتبطًا باسمك سنوات طويلة؟
  2. لا تجعل عدد الإعجابات معيارًا لقيمة ما تفعله.
  3. اختر الصحبة التي تعينك على الخير، فالأصدقاء يؤثرون في السلوك تأثيرًا كبيرًا.
  4. إذا وقعت في خطأ فاستر على نفسك وتب، ولا تحوله إلى مادة للتسلية.

آثار المجاهرة على الفرد والمجتمع

  • على الفرد: قسوة القلب، وضعف الحياء، وصعوبة التوبة مع الاعتياد، وفقدان الاحترام بين الناس.
  • على الأسرة: الإساءة إلى سمعتها، وإيذاء مشاعر الوالدين والأقارب.
  • على المجتمع: تطبيع المنكرات، وتجرئة الآخرين عليها، وإضعاف القيم المشتركة.

طريق التوبة مفتوح

رغم خطورة المجاهرة، يؤكد العلماء أن باب التوبة مفتوح لكل أحد ما لم تبلغ الروح الحلقوم أو تطلع الشمس من مغربها. وتتحقق التوبة بالإقلاع عن الذنب، والندم على ما فات، والعزم على عدم العودة، ورد الحقوق إلى أهلها إن تعلق الذنب بحقوق الناس. ومن تمام توبة المجاهر أن يتوقف عن الحديث عن معاصيه، وأن يحذف ما نشره إن أمكن، وأن يستبدل بذلك نشر الخير والكلمة الطيبة.

كيف نتعامل مع المجاهر بالمعصية؟

يوجه أهل العلم إلى أن التعامل مع من يتباهى بذنوبه ينبغي أن يجمع بين الحكمة والرحمة والحزم. فالنصيحة تكون في السر قدر الإمكان، وبأسلوب لين يحفظ كرامة المنصوح، لأن الهدف هدايته لا إذلاله. ويحسن اختيار الوقت المناسب والكلمات الهادئة، وتذكيره بستر الله ورحمته وبأن باب التوبة مفتوح. وفي المقابل لا ينبغي مجاراته في حديثه أو الضحك منه أو تشجيعه، لأن ذلك قد يغريه بالمزيد. أما إذا كان الأمر في بيئة تربوية كالمدرسة، كما في الموقف الذي يذكره المقال، فإن دور المعلم يكون بالتوجيه الهادئ وفتح باب الحوار مع الطالب، وإشراك الأسرة عند الحاجة، بدل التوبيخ العلني الذي قد يدفعه إلى العناد.

ومن المهم أيضًا أن يكون الناصح قدوة في سلوكه، فالموعظة التي يصدقها العمل أقرب إلى القلوب من الكلام المجرد، والرفق ما كان في شيء إلا زانه.

كما يحسن الدعاء له بظهر الغيب بالهداية والثبات، فذلك من حق الأخوة ومن أسباب صلاح القلوب.

أسئلة شائعة

هل يعد الحديث عن ذنب قديم تاب منه الإنسان مجاهرة؟

يرى كثير من العلماء أن الأولى الستر حتى على الذنوب التي تاب منها، إلا إذا كان ذكرها لغرض صحيح كالعظة أو التحذير دون تفاخر، ويرجع في التفاصيل إلى أهل العلم.

هل استشارة الطبيب أو العالم في مشكلة شخصية مجاهرة؟

لا، فطلب العلاج أو الفتوى أو النصيحة بقصد الإصلاح ليس من المجاهرة المذمومة، وإنما المذموم التحدث بالذنب تفاخرًا أو استهانة.

ما المقصود بقوله كل أمتي معافى؟

ذكر الشراح أن المقصود أن عامة الأمة يرجى لهم العفو والسلامة من الفضيحة، إلا المجاهرين الذين كشفوا ستر الله عنهم.

خلاصة

المجاهرة بالذنب أشد من الذنب نفسه، لأنها تجمع بين المعصية وهتك الستر وقلة الحياء وتشجيع الآخرين على المنكر. وقد دعا الإسلام إلى الستر على النفس وعلى الآخرين، وفتح باب التوبة واسعًا لكل من أخطأ، وفرق بين التفاخر بالخطأ وطلب العون على إصلاحه. والمسلم الواعي يحفظ نفسه ومجتمعه بالحياء والتوبة والكلمة الطيبة.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !