العطر رفيق يومي لكثير من الناس، فهو يمنح الثقة ويترك انطباعاً جميلاً ويرتبط بالذكريات والمناسبات. لكن خلف الرائحة الزكية تركيبة كيميائية معقدة قد لا تناسب الجميع، ولذلك يهتم المختصون بالحديث عن أضرار العطور والوقاية منها. في هذه المقالة نتعرف على مكونات العطور وأنواع تركيزاتها، ونشرح أبرز المشكلات الصحية المحتملة كحساسية الجلد والتحسس الضوئي وتهيج الجهاز التنفسي، ونتحدث عن مخاطر العطور المقلدة، ثم نقدم نصائح عملية لاستخدام العطر بأمان وحفظه بطريقة صحيحة.
نصائح للوقاية من أضرار العطور

مم يتكون العطر؟
يتكون العطر في الغالب من ثلاثة عناصر رئيسية: المواد العطرية التي تمنحه الرائحة، والمذيب الذي يكون غالباً من الكحول، والمثبتات التي تطيل بقاء الرائحة على الجلد. وقد تكون المواد العطرية طبيعية مستخلصة من الأزهار والأخشاب والراتنجات والحمضيات والتوابل، أو مركبات صناعية تحاكي الروائح الطبيعية أو تبتكر روائح جديدة. ويحتوي العطر الواحد عادة على عشرات المكونات التي يمزجها خبراء الروائح بنسب دقيقة.
تركيزات العطور
- البارفان أو خلاصة العطر: أعلى تركيز للمواد العطرية، ويدوم طويلاً.
- ماء العطر: تركيز مرتفع نسبياً، وهو من أكثر الأنواع انتشاراً.
- ماء التواليت: تركيز أخف، ورائحته أقصر عمراً.
- الكولونيا: أخف التركيزات، وغالباً ما تكون منعشة ذات طابع حمضي.
ولا يعني التركيز الأعلى بالضرورة خطراً أكبر، لكن من يعانون من حساسية تجاه مكونات معينة قد تظهر لديهم الأعراض بشكل أوضح مع التركيزات العالية.
الأضرار الصحية المحتملة
حساسية الجلد التماسية
تعد مكونات العطور من الأسباب المعروفة لما يسمى التهاب الجلد التماسي التحسسي، وهو رد فعل مناعي يظهر في صورة احمرار وحكة وطفح وربما بثور صغيرة في المكان الذي وُضع فيه العطر. وقد تظهر الحساسية بعد استخدام العطر مرات عديدة دون مشكلة، لأن الجسم قد يتحسس تدريجياً من مادة معينة. ولذلك تشترط تشريعات في بعض الدول ذكر عدد من المكونات العطرية المعروفة بقدرتها على إثارة الحساسية على ملصق المنتج إذا تجاوزت نسبة معينة.
التحسس الضوئي
تحتوي بعض الزيوت العطرية، ولا سيما المستخلصة من قشور بعض الحمضيات كالبرغموت، على مواد قد تتفاعل مع أشعة الشمس فتسبب التهاباً جلدياً أو تصبغات داكنة في مكان وضع العطر. ولهذا ينصح الأطباء بعدم وضع العطر على المناطق التي ستتعرض مباشرة للشمس، خاصة لأصحاب البشرة الحساسة.
تهيج الجهاز التنفسي
قد تسبب الروائح القوية لدى بعض الأشخاص العطس أو احتقان الأنف أو السعال أو ضيق التنفس، وتزداد هذه الأعراض لدى المصابين بالربو أو حساسية الأنف. ولذلك تتبنى بعض المستشفيات وأماكن العمل سياسات تدعو إلى تقليل استخدام العطور القوية حرصاً على راحة المرضى والزملاء.
الصداع
يذكر بعض الأشخاص أن الروائح النفاذة تثير لديهم نوبات صداع أو صداعاً نصفياً، ويعد ذلك من المحفزات المعروفة لدى فئة من المصابين بالشقيقة.
مخاطر العطور المقلدة
تنتشر في الأسواق عطور مقلدة تحمل أسماء وعبوات تشبه العطور الأصلية بأسعار زهيدة، ويكمن خطرها في أن مكوناتها مجهولة ولا تخضع غالباً للرقابة والفحص. وقد تحتوي على مواد رديئة أو ملوثة أو مذيبات غير مناسبة للاستخدام على الجلد، مما يزيد احتمال التهيج والحساسية. كما أن ظروف تصنيعها وتخزينها قد لا تكون صحية.
كيف تميز العطر الأصلي؟
- اشترِ من المتاجر المعتمدة والوكلاء الرسميين للعلامة التجارية.
- افحص جودة العبوة والطباعة، فالعطور المقلدة كثيراً ما تحمل أخطاء في الكتابة أو تغليفاً رديئاً.
- تحقق من وجود رقم التشغيلة مطبوعاً على العلبة والزجاجة وتطابقهما.
- كن حذراً من الأسعار المنخفضة بشكل مبالغ فيه مقارنة بالسعر المعتاد.
- لاحظ ثبات الرائحة وتطورها على الجلد، فالأصلي يتدرج عادة من الروائح الأولى إلى القلب ثم القاعدة.
الهرم العطري وكيف تتطور الرائحة
يصف خبراء العطور تركيبة العطر بما يسمى الهرم العطري، المكون من ثلاث طبقات. فالنفحات العليا هي أول ما نشمه بعد الرش مباشرة، وتكون غالباً منعشة خفيفة كالحمضيات والأعشاب، وتتبخر خلال دقائق. ثم تظهر نفحات القلب التي تمثل جوهر العطر، كالورود والياسمين والتوابل، وتدوم ساعات. وأخيراً تأتي نفحات القاعدة الثقيلة كالعود والعنبر والمسك والأخشاب، وهي التي تبقى أطول فترة على الجلد والملابس. ولهذا ينصح المختصون بعدم الحكم على العطر من الشمة الأولى عند شرائه، بل الانتظار حتى تتطور رائحته على الجلد.
العطور الشرقية والعود
تحظى العطور الشرقية ودهن العود والبخور بمكانة خاصة في الثقافة العربية والخليجية. وتعد الزيوت المركزة منها قوية جداً، ولذلك يحسن استخدامها بكميات قليلة، كما ينصح من يعانون من الربو أو حساسية الصدر بتجنب استنشاق دخان البخور بكثافة في الأماكن المغلقة، والحرص على تهوية المكان جيداً.
نصائح للاستخدام الآمن
- جرب العطر الجديد على مساحة صغيرة من الجلد قبل استخدامه بشكل منتظم.
- تجنب وضع العطر على الجلد المجروح أو المتهيج أو بعد الحلاقة مباشرة.
- ابتعد عن رش العطر قرب العينين والأنف والفم.
- يمكن رش العطر على الملابس بدلاً من الجلد لمن يعانون من حساسية جلدية، مع الانتباه إلى أن بعض العطور قد تترك بقعاً على الأقمشة الفاتحة.
- استخدم كمية معتدلة، فالإفراط يزعج الآخرين ويزيد احتمال التهيج، خاصة في الأماكن المغلقة والمواصلات العامة.
- لا تضع العطور القوية على جلد الرضع والأطفال الصغار، واستشر الطبيب بشأن المنتجات المناسبة لهم.
- استشر طبيب الجلدية إذا تكررت الحساسية، فقد يجري لك اختبار الرقعة لمعرفة المادة المسببة.
حفظ العطور بطريقة صحيحة
تتأثر جودة العطر بالحرارة والضوء والهواء، فهي تسرع تأكسد مكوناته وتغير رائحته. ولذلك يُستحسن حفظ العطر في مكان بارد مظلم بعيداً عن أشعة الشمس، وإغلاق الغطاء جيداً بعد الاستخدام، وتجنب تخزينه في الحمام حيث تتقلب الحرارة والرطوبة، وكذلك في السيارة صيفاً. ومن علامات تلف العطر تغير لونه أو ظهور رائحة حادة أو حامضية غير معتادة، وعندها يفضل التوقف عن استخدامه على الجلد.
بدائل لأصحاب البشرة الحساسة
يستطيع من يعانون من حساسية تجاه العطور أن يجربوا منتجات مكتوب عليها أنها خالية من العطور، مع الانتباه إلى أن بعض المنتجات الموصوفة بأنها بلا رائحة قد تحتوي على مواد تخفي الروائح. كما يمكن استخدام كميات خفيفة من العطور ذات التركيبات البسيطة بعد استشارة الطبيب، أو الاكتفاء بمعطرات الملابس الخفيفة.
أسئلة شائعة
هل يمكن أن أصاب بحساسية من عطر استخدمته سنوات؟
نعم، فالحساسية التماسية قد تتطور بمرور الوقت مع تكرار التعرض للمادة نفسها، ولذلك لا يعني الاستخدام السابق الآمن ضمان عدم حدوث حساسية لاحقاً.
هل العطور الطبيعية أكثر أماناً؟
ليس بالضرورة، فبعض الزيوت العطرية الطبيعية من مسببات الحساسية المعروفة، والعبرة بالمكونات وتركيزها ومدى ملاءمتها للشخص.
كم يدوم العطر قبل أن يتلف؟
يختلف ذلك بحسب تركيبته وطريقة حفظه، فالعطر المحفوظ جيداً قد يدوم سنوات، بينما يتلف أسرع إذا تعرض للحرارة والضوء.
خلاصة
العطر متعة يومية لا تخلو من محاذير، فمكوناته الكثيرة قد تسبب لدى بعض الأشخاص حساسية جلدية أو تحسساً ضوئياً أو تهيجاً تنفسياً، وتزداد المخاطر مع العطور المقلدة المجهولة المصدر. والاستخدام الواعي يبدأ باختيار عطر أصلي من مصدر موثوق، وتجربته قبل الاعتماد عليه، ووضعه باعتدال بعيداً عن الشمس والجلد المتهيج، وحفظه في مكان مناسب، مع مراجعة الطبيب عند ظهور أي أعراض متكررة. وبهذه الاحتياطات البسيطة يمكن الاستمتاع بالروائح الجميلة دون أن تتحول إلى مصدر إزعاج للجسم أو للمحيطين، فالعطر الأجمل هو الذي يُستخدم بذوق واعتدال ويراعي راحة الآخرين.
.png)