المعنى اللفظي والاعجازي لكلمة (الله)

لفظ الجلالة الله هو أعظم الأسماء عند المسلمين وأكثرها دوراناً على الألسنة، ويتأمل كثيرون المعنى اللفظي والإعجازي لكلمة الله من حيث حروفها ونطقها ودلالتها. وقد شغل هذا الاسم علماء اللغة والعقيدة والتفسير قروناً طويلة، فبحثوا في أصله واشتقاقه وأحكام نطقه وخصائصه.

بعد عرض الخاطرة المتداولة حول خصائص هذا الاسم، يقدم هذا المقال ما ذكره العلماء في أصل لفظ الجلالة واشتقاقه، وخصائصه النحوية، وأحكام تفخيم اللام وترقيقها، ومخارج حروفه، والفرق بين اللطائف اللغوية والإعجاز الثابت، مع تنبيه منهجي حول القصص المتداولة.

الخاطرة المتداولة حول لفظ الجلالة


المعنى اللفظي والإعجازي لكلمة الله

طرح احد الاساتذة في جامعة اليرموك الأردنية سؤولا على احدى الطالبات من الجنسية الإسبانية ، ما معنى لفظ الجلالة (الله) ، من الناحية الإعجازية اللغوية ومن الناحية الصوتية؟

فأجابت : إن أجمل ما قرأت بالعربية هو اسم (الله) ، فآلية ذكر اسمه سبحانه وتعالى على اللسان البشري لها نغمة متفردة.

فمكونات حروفه دون الأسماء جميعها يأتي ذكرها من خالص الجوف , لا من الشفتين ، فـلفظ الجلالة لا تنطق به الشفاه لخلوه من النقاط ..اذكروا اسم... (الله) الآن ولاحظوا وراقبوا كيف نطقتموها ، هل استخرجتم الحروف من باطن الجوف أم أنكم لفظتموها ولا حراك في وجوهكم وشفاهكم ،ومن حكم ذلك انه إذا أراد ذاكر أن يذكر اسم الله فإن أي جليس لن يشعر بذلك .

- ومن إعجاز اسمه انه مهما نقصت حروفه فإن الاسم يبقى كما هو ، وكما هو معروف أن لفظ الجلالة يشكل بالضمة في نهاية الحرف الأخير"اللهُ" وإذا ما حذفنا الحرف الأول يصبح اسمه لله كما تقول ال [ ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها].

- وإذا ما حذفنا الألف واللام الأولى بقيت" له"ولا يزال مدلولها الإلهي كما يقول سبحانه وتعالى [ له ما في السموات والأرض]

- وإن حذفت الألف واللام الأولى والثانية بقيت الهاء بالضمة" هـُ " ، ورغم ذلك تبقى الإشارة إليه سبحانه وتعالى كما قال في كتابه [هو الذي لا اله إلا هو] 

- وإذا ما حذفت اللام الأولى بقيت " إله" كما قال تعالي في الآية: [ الله لا إله إلا هو]

أصل لفظ الجلالة عند علماء اللغة

اختلف علماء العربية في أصل لفظ الجلالة على أقوال مشهورة، يمكن إجمالها في اتجاهين رئيسيين:

القول بأنه علم غير مشتق

ذهب فريق من العلماء، ومنهم الخليل بن أحمد الفراهيدي في رواية عنه، إلى أن لفظ الجلالة علم مرتجل على الذات الإلهية، غير مشتق من غيره، وأن الألف واللام فيه لازمة لا تفارقه، فهو اسم خاص بالله تعالى لا يشاركه فيه غيره.

القول بأنه مشتق

وذهب فريق آخر إلى أنه مشتق، واختلفوا في أصله، فقيل أصله الإله، حذفت الهمزة وأدغمت اللام في اللام فصار الله، والإله بمعنى المعبود، من أله يأله إذا عبد. وقيل هو من الوله، لأن القلوب تتوله إليه وتفزع إليه في الشدائد، وقيل غير ذلك. وقد بسط سيبويه وغيره من أئمة النحو هذه الأقوال وناقشوها.

ومهما يكن الأصل، فقد اتفق العلماء على أن هذا الاسم أصبح علماً خاصاً بالله تعالى، لا يطلق على غيره، وهو ما يميزه عن لفظ إله الذي يطلق في اللغة على كل معبود حقاً كان أو باطلاً.

خصائص لفظ الجلالة

  • الاختصاص: فهو لا يسمى به غير الله تعالى، ولم يعرف في التاريخ أن أحداً تسمى به.
  • الجمع لمعاني الأسماء الحسنى: يرى كثير من العلماء أن هذا الاسم هو الأصل الذي تضاف إليه الأسماء الأخرى، فيقال الرحمن الرحيم من أسماء الله، ولا يقال الله من أسماء الرحمن.
  • الاسم الأعظم: ذهب بعض العلماء إلى أنه الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وللعلماء في تحديد الاسم الأعظم أقوال متعددة.
  • كثرة وروده: فهو أكثر الأسماء الإلهية وروداً في القرآن الكريم.
  • همزة الوصل: تسقط همزته في درج الكلام كما في قولنا بسم الله، وتقطع في النداء عند بعض العرب في قولهم يا الله.

أحكام نطق لام لفظ الجلالة

لعلماء التجويد قاعدة مشهورة في نطق اللام في لفظ الجلالة، وهي أن اللام تفخم إذا سبقها فتح أو ضم، كما في قولنا قال الله ورسولُ الله، وترقق إذا سبقها كسر، كما في قولنا بسمِ الله والحمدُ لِله. ويعد هذا التفخيم من خصوصيات هذا الاسم، فاللام في العربية مرققة في الأصل، ولا تفخم إلا في لفظ الجلالة عند جمهور القراء، وفي حالات خاصة عند بعض القراء.

مخارج حروف لفظ الجلالة

يتكون الاسم في نطقه من الهمزة واللام المشددة والألف المدية والهاء، وقد ذكرت الخاطرة المتداولة أن حروفه تخرج من الجوف دون تحريك الشفتين. وبالنظر إلى ما قرره علماء الأصوات والتجويد نجد أن:

  • الهمزة والهاء من حروف الحلق، وتحديداً من أقصى الحلق.
  • الألف المدية من الجوف، وهو الفراغ الممتد في الحلق والفم.
  • اللام تخرج من حافة اللسان مع ما يحاذيها من اللثة.

وبهذا يتبين أن الاسم يُنطق فعلاً دون استخدام الشفتين، لأنه لا يحتوي على أي من الحروف الشفوية كالباء والميم والفاء والواو، لكن اللسان يشارك في نطق اللام، فالقول بأن الحروف كلها جوفية فيه تعميم. ومع ذلك فإن ملاحظة إمكان ذكر الله دون تحريك الشفتين ملاحظة صحيحة لطيفة، تتناسب مع الذكر الخفي.

بين اللطائف اللغوية والإعجاز

ذكرت الخاطرة أن حذف حروف الاسم واحداً بعد الآخر يبقي معنى دالاً على الله، فيصير لله ثم له ثم هو. وهذه ملاحظة لطيفة تتداولها كتب الخواطر، لكن العلماء ينبهون إلى ضرورة التمييز بين اللطيفة اللغوية والإعجاز العلمي أو البياني الثابت. فاللام في لله ولام في له حرف جر دخل على الاسم أو الضمير، وليس جزءاً متبقياً من الاسم بالمعنى الصرفي الدقيق، كما أن الضمير هو يعود على الله بحسب السياق، ويعود في مواضع أخرى على غيره.

ولذلك يرى كثير من المحققين أن هذه الملاحظات يمكن ذكرها على سبيل التأمل والتذوق، دون أن تسمى إعجازاً، لأن الإعجاز في اصطلاح العلماء هو ما تحدى به القرآن الكريم البشر فعجزوا عن الإتيان بمثله، وهو ثابت في بلاغة القرآن ونظمه، ولا يحتاج إلى تكلفات لفظية لإثباته.

تنبيه منهجي حول القصص المتداولة

تنسب الخاطرة الكلام إلى طالبة إسبانية في جامعة أردنية، وهي قصة لا يعرف لها مصدر موثق، وتتكرر بصيغ مختلفة في الرسائل المتداولة. ولا يضر ذلك في المعاني الصحيحة التي تتضمنها، لكن الأمانة العلمية تقتضي عدم الجزم بصحة القصة، ونقل المعاني منسوبة إلى أهلها من العلماء الثقات حين يمكن ذلك. كما ينبغي الحذر عند الاستشهاد بالآيات الكريمة، والتأكد من نصها في المصحف، لأن الرسائل المتداولة قد تحرف بعض الألفاظ دون قصد.

لفظ الجلالة في الحياة اليومية

يحضر اسم الله في حياة المسلم في كل لحظة، فهو يبدأ أعماله بالبسملة، ويحمد الله عند النعمة، ويسترجع عند المصيبة، ويكبر في الصلاة والأعياد، ويهلل في الذكر. كما دخلت عبارات مثل إن شاء الله وما شاء الله وسبحان الله والحمد لله في الكلام اليومي لكثير من الشعوب الإسلامية حتى من غير الناطقين بالعربية، وأصبحت جزءاً من ثقافتهم. وقد اهتم الخطاطون عبر التاريخ بكتابة لفظ الجلالة بأشكال فنية بديعة تزين المساجد والمخطوطات.

اسم الله في الخط العربي

يحتل لفظ الجلالة مكانة خاصة في فن الخط العربي، إذ يتفنن الخطاطون في رسمه بخطوط الثلث والنسخ والديواني والكوفي وغيرها، ويوضع في صدارة اللوحات وفي قباب المساجد ومحاريبها. ومن أشهر الأمثلة اللوحات الدائرية الكبيرة التي تحمل اسم الله في بعض المساجد التاريخية الكبرى، وتعد من روائع الخط العربي. ويتعلم الخطاطون رسم هذا الاسم بعناية خاصة، ويحرصون على تناسب حروفه وتوازن ألفه ولاميه وهائه، لما له في نفوسهم من مهابة وتعظيم.

لفظ الجلالة عند غير المسلمين من العرب

لم يكن لفظ الجلالة مجهولاً عند العرب قبل الإسلام، فقد كانوا يعرفونه ويقسمون به، ويسمون أبناءهم بأسماء مضافة إليه كعبد الله، مع ما كانوا عليه من الشرك في العبادة. كما يستخدم المسيحيون العرب اللفظ نفسه للدلالة على الخالق في صلواتهم وترجماتهم الدينية، وهو ما يدل على أصالة الكلمة في اللغة العربية بوصفها الاسم الدال على الإله الخالق. عبر العصور.

أسئلة شائعة

هل لفظ الجلالة مشتق أم جامد؟

للعلماء في ذلك قولان مشهوران، فبعضهم يراه علماً غير مشتق، وبعضهم يراه مشتقاً من الإله أو من الوله، والجميع متفقون على أنه علم خاص بالله تعالى.

متى تفخم اللام في لفظ الجلالة؟

تفخم إذا سبقها فتح أو ضم، وترقق إذا سبقها كسر، وهي قاعدة مقررة عند علماء التجويد.

هل ما يذكر من حذف حروف الاسم يعد إعجازاً؟

يراه كثير من العلماء لطيفة لغوية للتأمل، لا إعجازاً بالمعنى الاصطلاحي، لأن الإعجاز يتعلق بما تحدى به القرآن البشر.

خلاصة

لفظ الجلالة اسم فريد في العربية، اختص الله به نفسه، وتميز بخصائص لغوية وصوتية وأحكام في النطق لا يشاركه فيها غيره، وقد اجتهد العلماء في بيان أصله ومعناه. وللتأمل في حروفه ونطقه لطائف جميلة، لكن الأدق أن تقدم بوصفها تأملات لا إعجازاً، وأن يتحرى الناقل صحة القصص والنصوص، فالتعظيم الحقيقي لهذا الاسم يكون بالعلم الصحيح وبذكره بالقلب واللسان.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !