يُعد اصطدام أندروميدا ودرب اللبانة، أو بالاسم الأدق درب التبانة، من أكثر الموضوعات الفلكية إثارة للخيال، لأنه يتحدث عن مستقبل مجرتنا بأكملها بعد مليارات السنين. وقد بنى الفلكيون توقعاتهم على قياسات دقيقة لحركة مجرة المرأة المسلسلة، المعروفة عند العرب بمجرة الصوفي، وعلى محاكاة حاسوبية متقدمة.
في هذا المقال نتعرف إلى المجرتين وخصائصهما، ونشرح كيف قيس اقتراب الجارة الكبرى منا، وما الذي قد يحدث للنجوم والكواكب عند التقاء المجرتين، مع الإشارة إلى ما كشفته الدراسات الأحدث من شكوك حول حتمية هذا الحدث.
سيناريو التصادم المجري ومصير المجموعة الشمسية
تعريف بالمجرتين
درب التبانة: موطننا الكوني
درب التبانة مجرة حلزونية ذات قضيب مركزي، يقدّر الفلكيون أنها تضم مئات المليارات من النجوم، ويبلغ قطر قرصها نحو مئة ألف سنة ضوئية. وتقع الشمس في أحد أذرعها على مسافة تقارب ستة وعشرين ألف سنة ضوئية من المركز، حيث يوجد ثقب أسود هائل يُعرف بالقوس أ نجمة. وقد سماها العرب درب التبانة تشبيهاً لشكلها في السماء المظلمة بأثر التبن المتناثر على الطريق، بينما يسميها الغربيون الطريق اللبني، ومن هنا جاء الخلط في التسمية العربية أحياناً.
مجرة المرأة المسلسلة
هي أقرب مجرة حلزونية كبيرة إلينا، وتبعد نحو مليونين ونصف مليون سنة ضوئية، ويمكن رؤيتها بالعين المجردة في الليالي الصافية بعيداً عن أضواء المدن على هيئة بقعة ضبابية باهتة. وقد وصفها الفلكي المسلم عبد الرحمن الصوفي في القرن العاشر الميلادي في كتابه صور الكواكب الثابتة، ويُعد وصفه من أقدم الإشارات المكتوبة إليها، ولذلك تحمل اسمه في كثير من المراجع العربية. وتشير التقديرات إلى أنها أكبر قليلاً من مجرتنا في القطر، بينما تتقارب كتلتا المجرتين بحسب القياسات الحديثة.
كيف عرف العلماء أن الجارة تقترب؟
يعتمد الفلكيون على ظاهرة دوبلر في تحليل ضوء الأجرام البعيدة، فإذا كان الجرم يبتعد انزاحت خطوط طيفه نحو الأحمر، وإذا كان يقترب انزاحت نحو الأزرق. وقد أظهرت قياسات طيف مجرة الصوفي منذ أوائل القرن العشرين انزياحاً نحو الأزرق، ما يعني أنها تتحرك باتجاهنا بسرعة تُقدّر بأكثر من مئة كيلومتر في الثانية.
لكن معرفة السرعة على خط النظر وحدها لا تكفي لمعرفة هل ستصطدم المجرتان أم ستمر إحداهما بجانب الأخرى، إذ يلزم قياس الحركة الجانبية أيضاً، وهي صعبة جداً بسبب المسافة الهائلة. وقد تمكن الفلكيون من تقديرها في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين باستخدام رصد دقيق من تلسكوب هابل الفضائي على مدى سنوات، ثم بيانات مرصد غايا الأوروبي، وأشارت النتائج الأولى إلى أن الاصطدام سيقع بعد نحو أربعة مليارات ونصف المليار سنة.
دراسات أحدث تعيد النظر
في السنوات الأخيرة أعاد فريق من الباحثين حساب المسارات مع إدخال تأثير مجرات أخرى في المجموعة المحلية، مثل مجرة المثلث وسحابة ماجلان الكبرى، ومع مراعاة هامش الخطأ في القياسات. وخلصت تلك الدراسة إلى أن احتمال الاندماج خلال العشرة مليارات سنة القادمة يقارب النصف فقط، أي أن الحدث ليس محتوماً كما كان يُعتقد. وما يزال الموضوع محل بحث، وقد تتغير التقديرات مع تحسن دقة الأرصاد.
ماذا سيحدث عند التقاء المجرتين؟
قد يبدو تصادم مجرتين حدثاً مدمراً، لكن الحقيقة أن المسافات بين النجوم هائلة جداً مقارنة بأحجامها، ولذلك يرجح الفلكيون أن يكون اصطدام نجمين مباشرة أمراً نادراً للغاية. ما يحدث فعلاً هو تفاعل جذبي واسع، تتشوه فيه أشكال المجرتين، وتُقذف أذرع طويلة من النجوم والغاز تُعرف بالذيول المدية.
- تشكل نجوم جديدة: إذ تتصادم سحب الغاز وتنضغط فتنشأ موجات من ولادة النجوم.
- اندماج الثقبين الأسودين: يتجه الثقبان الهائلان في مركزي المجرتين إلى الاقتراب حتى يندمجا، وقد يرافق ذلك نشاط قوي وإطلاق موجات جذبية.
- تحول الشكل: تفقد المجرة الناتجة بنيتها الحلزونية غالباً وتصبح مجرة إهليلجية كبيرة.
هل ستتأثر الأرض؟
يرى الفلكيون أن الأرض ستواجه قبل ذلك بكثير تحدياً أكبر، فالشمس تزداد سطوعاً ببطء، ويُتوقع أن يجعل ذلك الحياة على كوكبنا صعبة جداً خلال نحو مليار سنة. أما المجموعة الشمسية بوصفها نظاماً فمن المرجح أن تبقى متماسكة أثناء الاصطدام، وإن كان موقعها داخل المجرة الجديدة قد يتغير.
تصادمات مجرية نرصدها اليوم
لا يقتصر الحديث عن اندماج المجرات على المستقبل، فالفلكيون يرصدون في الكون أمثلة كثيرة لمجرات في مراحل مختلفة من التفاعل، وتساعدهم هذه المشاهد على فهم ما قد يحدث لمجرتنا. ومن أشهرها مجرتا الهوائيات في كوكبة الغراب، اللتان تظهران بذيلين طويلين يشبهان قرني الحشرة، ومجرة الدوامة التي تتفاعل مع مجرة رفيقة أصغر منها. وتكشف صور التلسكوبات الحديثة في هذه المجرات المتفاعلة عن مناطق مضيئة تتشكل فيها نجوم جديدة بمعدلات عالية.
دور المحاكاة الحاسوبية
بما أن هذه العمليات تستغرق مئات ملايين السنين، يعتمد العلماء على المحاكاة الحاسوبية لتتبع تطورها، فيمثلون المجرة بملايين الجسيمات التي تتجاذب وفق قوانين الفيزياء، ثم يشغّلون النموذج ليروا كيف تتغير الأشكال مع الزمن. ومن خلال مقارنة نتائج المحاكاة بالصور الحقيقية يختبرون صحة فهمهم لطبيعة المادة المظلمة وتوزيع الكتلة في المجرات.
المجموعة المحلية للمجرات
تنتمي المجرتان إلى تجمع صغير يسميه الفلكيون المجموعة المحلية، يضم أكثر من خمسين مجرة معظمها قزمة، وثالث أكبر أعضائه مجرة المثلث. وترتبط هذه المجرات معاً بالجاذبية، ولذلك لا يؤثر فيها تمدد الكون الذي يباعد بين المجرات البعيدة. ومع مرور الزمن يُتوقع أن تندمج كثير من هذه المجرات القزمة في المجرتين الكبيرتين، كما يحدث الآن لبعض التوابع الصغيرة التي تمزقها جاذبية درب التبانة.
أسئلة شائعة
متى يحدث التصادم؟
تشير التقديرات السابقة إلى نحو أربعة مليارات ونصف المليار سنة، بينما ترى دراسات أحدث أن الاندماج قد لا يحدث أصلاً بنسبة تقارب النصف خلال العشرة مليارات سنة القادمة.
لماذا تسمى مجرة الصوفي بهذا الاسم؟
نسبة إلى الفلكي عبد الرحمن الصوفي الذي وصفها في كتابه صور الكواكب الثابتة، ويُعد من أقدم من دوّن وجودها.
هل سنرى النجوم تتصادم في السماء؟
لا، فالحدث يستغرق مئات ملايين السنين، والتصادمات المباشرة بين النجوم نادرة جداً بسبب المسافات الشاسعة بينها.
خلاصة
يمثل التقاء مجرتنا بجارتها الكبرى سيناريو كونياً مدهشاً بنيت توقعاته على قياسات دقيقة لحركة المجرات ومحاكاة حاسوبية متطورة. ورغم أن الدراسات الأولى رجحت حدوثه بعد بضعة مليارات من السنين، فإن الأبحاث الأحدث تشير إلى قدر كبير من عدم اليقين. وفي كل الأحوال يذكّرنا هذا الموضوع بأن الكون في حركة دائمة، وأن المجرات نفسها تولد وتتغير وتندمج عبر الزمن.
.jpg)