تعد ديهيا الملقبة بالكاهنة من أبرز الشخصيات النسائية في تاريخ شمال إفريقيا، إذ قادت قبائل أمازيغية في جبال الأوراس خلال مرحلة الفتح الإسلامي للمغرب في أواخر القرن الأول الهجري. وقد اختلطت سيرتها بالأسطورة، وتعددت الروايات حولها.
بعد عرض المقال الأصلي عن ديهيا (الكاهنة)، نضيف هنا السياق التاريخي لفتح المغرب، وما تذكره المصادر العربية عنها، ونقاط الاتفاق والاختلاف بين المؤرخين، وحضورها في الذاكرة الثقافية المعاصرة، مع أسئلة شائعة وخلاصة.
سيرة الملكة الأمازيغية
السياق التاريخي لفتح المغرب
بدأت حملات المسلمين على إفريقية، وهي تقريبًا تونس الحالية وما جاورها، منذ عهد الخليفة عثمان بن عفان، ثم أسس عقبة بن نافع مدينة القيروان لتكون قاعدة ثابتة. وواجه الفاتحون مقاومة من البيزنطيين الذين كانوا يسيطرون على المدن الساحلية، ومن القبائل الأمازيغية في الداخل. وبعد مقتل عقبة في معركة تهودة على يد الزعيم الأمازيغي كسيلة، دخلت المنطقة مرحلة من الكر والفر، ثم قُتل كسيلة لاحقًا، وبرزت ديهيا قائدة لقبائل الأوراس.
حسان بن النعمان
أرسل الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان القائد حسان بن النعمان الغساني على رأس جيش كبير، فتمكن من فتح قرطاج المعقل البيزنطي الرئيس، ثم توجه لملاقاة ديهيا. وتذكر المصادر أنها هزمته في معركة قرب نهر يُعرف بنهر البلاء أو وادي مسكيانة، فتراجع إلى برقة في ليبيا وانتظر سنوات حتى وصلته الإمدادات.
ما تذكره المصادر العربية
وصلتنا أخبار ديهيا أساسًا من مؤرخين مسلمين كتبوا بعد قرون من الأحداث، ومنهم ابن عبد الحكم وابن الأثير وابن عذارى المراكشي وابن خلدون. وتتفق رواياتهم في الخطوط العامة: أنها كانت من قبيلة جراوة الأمازيغية، وأنها امتلكت نفوذًا واسعًا، وأن العرب لقبوها بالكاهنة لما نُسب إليها من قدرة على التنبؤ. وتذكر الروايات أنها أسرت عددًا من جنود حسان ثم أطلقتهم إلا شابًا يدعى خالد بن يزيد تبنته وعاملته كأبنائها.
سياسة الأرض المحروقة
تنسب بعض المصادر إلى ديهيا أنها أمرت بتخريب الحصون وقطع الأشجار في المناطق التي قد يطمع فيها الفاتحون، اعتقادًا منها أنهم يريدون الغنائم والعمران، وأن ذلك أفقدها تأييد سكان الحواضر والمزارعين. ويناقش المؤرخون المعاصرون مدى دقة هذه الرواية وحجم ما حدث فعلًا.
نهايتها
تتفق المصادر على أن حسان عاد بجيش معزز، فدارت معركة حاسمة قُتلت فيها ديهيا قرب بئر نُسب إليها لاحقًا، ويُقدَّر ذلك بحدود نهاية القرن السابع الميلادي أو مطلع الثامن، مع اختلاف بين المؤرخين في السنة الدقيقة. وتذكر الروايات أنها أوصت ابنيها بالانضمام إلى المسلمين، فأسلما وتوليا قيادة في الجيش الذي شارك لاحقًا في فتوحات المغرب والأندلس.
بين التاريخ والأسطورة
بسبب قلة المصادر المعاصرة لها وتأخر تدوين أخبارها، تتباين الآراء حول تفاصيل كثيرة في سيرتها، مثل ديانتها، إذ نسبها بعض المؤرخين إلى الوثنية، ورأى آخرون أن قبيلتها ربما كانت تدين باليهودية أو المسيحية، دون دليل قاطع. كما تختلف التقديرات حول عمرها وتاريخ ميلادها ومدة حكمها، ولذلك ينبغي التعامل بحذر مع التواريخ الدقيقة المنسوبة إليها في المواقع الإلكترونية.
جبال الأوراس: المسرح الجغرافي للأحداث
تمتد جبال الأوراس في شرق الجزائر وتتصل بأطراف تونس، وهي سلسلة وعرة كثيرة الأودية والممرات، وفرت لسكانها عبر التاريخ حماية طبيعية من الجيوش الغازية. وقد عرفت المنطقة مقاومة أمازيغية للرومان ثم للبيزنطيين قبل مجيء العرب، ثم صارت في العصر الحديث أحد معاقل الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي. ويفسر هذا الطابع الجغرافي جزءًا من قدرة القبائل الجبلية على الصمود فترات طويلة، ومن قدرة ملكة الأوراس على حشد أتباعها.
ديهيا في الذاكرة الثقافية
- تحولت إلى رمز للهوية الأمازيغية في الجزائر وبلدان المغرب، وأُقيم لها تمثال في مدينة خنشلة بالجزائر.
- تناولتها أعمال أدبية وفنية ومسرحية بصور متعددة، بين البطلة المقاومة والمرأة الحكيمة.
- يستشهد بها الدارسون مثالًا على الأدوار القيادية التي اضطلعت بها المرأة في مجتمعات شمال إفريقيا القديمة.
أسئلة شائعة
لماذا لُقبت بالكاهنة؟
لأن المصادر العربية نسبت إليها القدرة على التنبؤ بالأحداث، وهو ما كان يُنسب إلى الكهان في الثقافة العربية.
من القائد الذي واجهها؟
واجهها القائد الأموي حسان بن النعمان، فهزمته أولًا، ثم انتصر عليها في المواجهة الأخيرة.
أين كانت تتمركز؟
في جبال الأوراس، الواقعة في شرق الجزائر الحالية، وتربط بعض الروايات نفوذها بمنطقة خنشلة ومحيطها.
خلاصة
تبقى ديهيا شخصية تاريخية بارزة تجسد مرحلة مفصلية في تاريخ شمال إفريقيا، حين التقى الأمازيغ بالعرب المسلمين في صراع انتهى بتشكل مجتمع جديد اعتنق الإسلام وأسهم في نشره. وقراءة سيرتها بعين ناقدة تميز بين الثابت والمروي يمنحنا فهمًا أعمق لتلك الحقبة.
.png)

