ديهيا (الكاهنة)

تعد ديهيا الملقبة بالكاهنة من أبرز الشخصيات النسائية في تاريخ شمال إفريقيا، إذ قادت قبائل أمازيغية في جبال الأوراس خلال مرحلة الفتح الإسلامي للمغرب في أواخر القرن الأول الهجري. وقد اختلطت سيرتها بالأسطورة، وتعددت الروايات حولها.

بعد عرض المقال الأصلي عن ديهيا (الكاهنة)، نضيف هنا السياق التاريخي لفتح المغرب، وما تذكره المصادر العربية عنها، ونقاط الاتفاق والاختلاف بين المؤرخين، وحضورها في الذاكرة الثقافية المعاصرة، مع أسئلة شائعة وخلاصة.

سيرة الملكة الأمازيغية

الملكة الأمازيغية ديهيا الملقبة بالكاهنة

ديهيا أو يقال عنها تيهيا، الملكة ديهيا بنت تابنة (585 م - 712 م)، وتشتهر بلقب  الكاهنة ، هي قائدة عسكرية بارعة وملكة أمازيغية شجاعة خلفت الملك أكسيل في حكم الأمازيغ في مناطق شمال أفريقيا ، تشكل مملكتها الجزائر وتونس والمغرب وليبيا وعاصمة مملكتها كانت مدينة ماسكولا (خنشلة حاليا) في الأوراس قادت ديهيا عدّة حملات وجيوش ومعارك ضد الرومان والمسلمين والبيزنطيين في سبيل استعادة الأراضي الأمازيغية التي أستولوا عليها في أواخر القرن السادس ميلادي.

وعلى الرغم من قتال المسلمين للملكة ديهيا إلا انها كانت بنظرهم إمراة شجاعة يحترمونها وأصبحت رمزًا من رموز الذكاء والتضحية وقد ورد ذكرها عند الكثير من المؤرخين المسلمين وقد تمكنت في نهاية المطاف من أستعادة معظم أراضي مملكتها بما فيها مدينة خنشلة بعد أن هزمت الرومان هزيمة شنيعة.

كما تمكنت من توحيد أهم القبائل الأمازيغية حولها خلال زحف جيوش المسلمين واستطاعت ديهيا أن تلحق هزيمة كبيرة بجيش حسان بن النعمان عام 693م وتمكنت من هزيمتهم وطاردتهم إلى أن أخرجتهم من كامل تونس ، وما إن سمعت بتقدم جيش حسان حتى بادرت بتحرير مدينة خنشلة من الاحتلال الروماني وطردت منها الروم ثم هدمت حصونها لكي لا يحتمي بها جيش حسان.

فاستنجد هؤلاء الروم بحسان بن النعـمان ، وقد قال عنها المؤرخ ابن عذارى المراكشي:
«جميع من بأفريقيا من الرومان كانوا خائفين منها وجميع الأمازيغ لها مطيعون» ، بينما يجمع المؤرخون العرب المسلمون الذين أرّخوا لها بمن فيهم العلامة ابن خلدون: « على أنها كانت وثنية تعبد صنما من خشب ، وتنقله على جمل ، وقبل كل معركة تبخّره وترقص حوله فسماها العرب الكاهنة أي (التفازة أو الفزّانة) باللغة المحلية».

وكانت الحرب بوادي مسكيانة وانتهت الحرب بتراجع حسان وجيشه ، وبعد هذه الهزيمة لحسان جعلته يهرب من المنطقة إلى غرب ليبيا سالما مع من بقي من جيشه تحت أنظار جيش ديهيا ولم تخرب القيروان ولم تقتل المسلمين المتواجدين بها أو تقوم بالتنكيل بهم ثأرا وانتقاما، بل عادت برجالها إلى مقر عاصمتها بالأوراس.

بعد خمس سنوات من انهزام حسان أمام ديهيا، كتب إلى الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بالواقعة يشرح من خلالها عن أسباب إنكساره الفعلية أمام أهل الأوراس وقال: «إن أمم بلاد المغرب ليس لها غاية، ولايقف أحد منها على نهاية، كلما بادت أمة خلفتها أمم» – عائشة كنتوري ص156.

في مقابل إنهزامه سيطرت ديهيا على شمال إفريقيا لمدة خمس سنوات وتشكل مملكتها اليوم جزء من الجزائر وتونس والمغرب وليبيا ومما قامت به أنها بسلوك حضاري أفرجت عن جميع الأسرى وعددهم 80 أسير وأعطتهم الحرية بعد أن رأت بأم عينها سلوكهم وتعاملهم البسيط الموافق لفطرة الأمازيغ ، ثم قررت ديهيا إبقاء أسير عربي واحد من الأسرى بالأوراس، هو خالد بن يزيد القيسي ، تبنته وأقام عندها وعاش مع أبنائها الأخرين الذي تبنتهم أيضا ومنهم يوناني تبنته وأمازيغي.
ديهيا الكاهنة قائدة الأمازيغ في شمال أفريقيا

وقد قال المؤرخ إبن عبد الحكم: «فأحسنت ديهيا أسر من أسرته من أصحابه وأرسلتهم إلا رجلا منهم من بني عبس يقال له خالد بن يزيد فتبنته وأقام معها» – إبن عبد الحكم، فتوح أفريقيا والأندلس ص63.

بعد مرحلة هزيمة حسان بن النعمان وقد كان على وشك الموت قرر أن يعيد الكرة لمقاتلة ديهيا، فأمده الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان بإمدادات عسكرية وعتاد ومؤن على الرغم من انشغالات الخليفة عبد الملك الكثيرة بإخماد الثورات المعارضة في الشرق والشام وشبه الجزيرة العربية، فإتجه حسان بجيشه صوب مملكة الأوراس لمنازلتها بعد أن جمع كل المعلومات عندها التجئت إلى إستراتيجية الأرض المحروقة وهي خطة عسكرية أساسها هو تخريب الأراضي التي يطمع إليها العدو وتدمير أطماعه ونفذت هذه الخطة لدفع العرب الفاتحين للتراجع عن شمال أفريقيا على حد سواء.

 فقالت لأنصارها: «إن العرب لايريدون من بلادنا إلا الذهب والفضة والمعدن، ونحن تكفينا منها المزارع والمراعي، فلا نرى لكم إلا خراب بلاد أفريقية كلها حتى ييأس منها العرب فلا يكون لهم رجوع إليها إلى آخر الدهر.» – إبن عذاري المصدر السابق ص35-36

وقد نشبت معركة أخرى بين ديهيا وحسان بن النعمان في منطقة جبال الأوراس فإنهزمت فيها ديهيا ، وقد قال المؤرخ الثعالبي عن ديهيا: «وبعد معركة صارمة ذهبت هذه المرأة النادرة ضحية الدفاع عن حمى البلاد» – الثعالبي: ص77

قال المؤرخ إبن خلدون: «ديهيا فارسة الأمازيغ التي لم يأت بمثلها زمان كانت تركب حصانا وتسعى بين القوم من الأوراس إلى طرابلس تحمل السلاح لتدافع عن أرض أجدادها.» – إبن خلدون كتاب العبر الجزء السابع ص 11.

السياق التاريخي لفتح المغرب

بدأت حملات المسلمين على إفريقية، وهي تقريبًا تونس الحالية وما جاورها، منذ عهد الخليفة عثمان بن عفان، ثم أسس عقبة بن نافع مدينة القيروان لتكون قاعدة ثابتة. وواجه الفاتحون مقاومة من البيزنطيين الذين كانوا يسيطرون على المدن الساحلية، ومن القبائل الأمازيغية في الداخل. وبعد مقتل عقبة في معركة تهودة على يد الزعيم الأمازيغي كسيلة، دخلت المنطقة مرحلة من الكر والفر، ثم قُتل كسيلة لاحقًا، وبرزت ديهيا قائدة لقبائل الأوراس.

حسان بن النعمان

أرسل الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان القائد حسان بن النعمان الغساني على رأس جيش كبير، فتمكن من فتح قرطاج المعقل البيزنطي الرئيس، ثم توجه لملاقاة ديهيا. وتذكر المصادر أنها هزمته في معركة قرب نهر يُعرف بنهر البلاء أو وادي مسكيانة، فتراجع إلى برقة في ليبيا وانتظر سنوات حتى وصلته الإمدادات.

ما تذكره المصادر العربية

وصلتنا أخبار ديهيا أساسًا من مؤرخين مسلمين كتبوا بعد قرون من الأحداث، ومنهم ابن عبد الحكم وابن الأثير وابن عذارى المراكشي وابن خلدون. وتتفق رواياتهم في الخطوط العامة: أنها كانت من قبيلة جراوة الأمازيغية، وأنها امتلكت نفوذًا واسعًا، وأن العرب لقبوها بالكاهنة لما نُسب إليها من قدرة على التنبؤ. وتذكر الروايات أنها أسرت عددًا من جنود حسان ثم أطلقتهم إلا شابًا يدعى خالد بن يزيد تبنته وعاملته كأبنائها.

سياسة الأرض المحروقة

تنسب بعض المصادر إلى ديهيا أنها أمرت بتخريب الحصون وقطع الأشجار في المناطق التي قد يطمع فيها الفاتحون، اعتقادًا منها أنهم يريدون الغنائم والعمران، وأن ذلك أفقدها تأييد سكان الحواضر والمزارعين. ويناقش المؤرخون المعاصرون مدى دقة هذه الرواية وحجم ما حدث فعلًا.

نهايتها

تتفق المصادر على أن حسان عاد بجيش معزز، فدارت معركة حاسمة قُتلت فيها ديهيا قرب بئر نُسب إليها لاحقًا، ويُقدَّر ذلك بحدود نهاية القرن السابع الميلادي أو مطلع الثامن، مع اختلاف بين المؤرخين في السنة الدقيقة. وتذكر الروايات أنها أوصت ابنيها بالانضمام إلى المسلمين، فأسلما وتوليا قيادة في الجيش الذي شارك لاحقًا في فتوحات المغرب والأندلس.

بين التاريخ والأسطورة

بسبب قلة المصادر المعاصرة لها وتأخر تدوين أخبارها، تتباين الآراء حول تفاصيل كثيرة في سيرتها، مثل ديانتها، إذ نسبها بعض المؤرخين إلى الوثنية، ورأى آخرون أن قبيلتها ربما كانت تدين باليهودية أو المسيحية، دون دليل قاطع. كما تختلف التقديرات حول عمرها وتاريخ ميلادها ومدة حكمها، ولذلك ينبغي التعامل بحذر مع التواريخ الدقيقة المنسوبة إليها في المواقع الإلكترونية.

جبال الأوراس: المسرح الجغرافي للأحداث

تمتد جبال الأوراس في شرق الجزائر وتتصل بأطراف تونس، وهي سلسلة وعرة كثيرة الأودية والممرات، وفرت لسكانها عبر التاريخ حماية طبيعية من الجيوش الغازية. وقد عرفت المنطقة مقاومة أمازيغية للرومان ثم للبيزنطيين قبل مجيء العرب، ثم صارت في العصر الحديث أحد معاقل الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي. ويفسر هذا الطابع الجغرافي جزءًا من قدرة القبائل الجبلية على الصمود فترات طويلة، ومن قدرة ملكة الأوراس على حشد أتباعها.

ديهيا في الذاكرة الثقافية

  • تحولت إلى رمز للهوية الأمازيغية في الجزائر وبلدان المغرب، وأُقيم لها تمثال في مدينة خنشلة بالجزائر.
  • تناولتها أعمال أدبية وفنية ومسرحية بصور متعددة، بين البطلة المقاومة والمرأة الحكيمة.
  • يستشهد بها الدارسون مثالًا على الأدوار القيادية التي اضطلعت بها المرأة في مجتمعات شمال إفريقيا القديمة.

أسئلة شائعة

لماذا لُقبت بالكاهنة؟

لأن المصادر العربية نسبت إليها القدرة على التنبؤ بالأحداث، وهو ما كان يُنسب إلى الكهان في الثقافة العربية.

من القائد الذي واجهها؟

واجهها القائد الأموي حسان بن النعمان، فهزمته أولًا، ثم انتصر عليها في المواجهة الأخيرة.

أين كانت تتمركز؟

في جبال الأوراس، الواقعة في شرق الجزائر الحالية، وتربط بعض الروايات نفوذها بمنطقة خنشلة ومحيطها.

خلاصة

تبقى ديهيا شخصية تاريخية بارزة تجسد مرحلة مفصلية في تاريخ شمال إفريقيا، حين التقى الأمازيغ بالعرب المسلمين في صراع انتهى بتشكل مجتمع جديد اعتنق الإسلام وأسهم في نشره. وقراءة سيرتها بعين ناقدة تميز بين الثابت والمروي يمنحنا فهمًا أعمق لتلك الحقبة.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !