هشاشة المناخ والصحة.. إلى أين تتجه؟

Unknown

لم يعد تغير المناخ قضية بيئية بعيدة، بل أصبح ملفا صحيا يمس حياة الناس اليومية، وتصفه منظمة الصحة العالمية بأنه من أكبر التهديدات الصحية التي تواجه البشرية. وبعد أن تناول المقال الأصلي هشاشة المناخ والصحة بلغة وجدانية، نعرض هنا المسارات العلمية التي يؤثر بها الاحترار في الصحة، والفئات الأكثر عرضة للخطر، وخصوصية المنطقة العربية، ثم نتحدث عن سياسات التكيف والتخفيف، وما يمكن للأفراد فعله لحماية أنفسهم والمساهمة في الحل.

العلاقة بين تغير المناخ والصحة



تغير المناخ وتأثير هشاشة المناخ على الصحة
سلسبيل صبيح 



أمراض تفوق الوصف في كل مكان، أمواتٌ بالجملة، صفوفٌ من ثروةٍ حيوانية ونباتية ذهبت إلى المجهول، لَم تقع ضمن أولوية حياة ٍأبدية ولا حتى حياةٍ فانية، الموت وحدهُ هو مصيرهم جميعًا، فهل سيبقى تغير المناخِ في أواخر الأولويات، أم أننا ننتظر دخول الطبيعةِ في الموتِ الأسود والجحيم الأوحد؟
تعتبر الأقوى والأهم والأولوية الكبرى لبقاء الحياة الكونية، من بني البشرِ، والحيواناتِ، والنباتاتِ وكافةِ أنواع الحياة، التي خُلقت على وجهِ هذه البيسطة، لكي تستطيع أن تعيشَ وتمارسَ الحياةَ بمختلف أشكالها، نعم إنها الصحة، هي من أهم الأمور التي لا يستطيع أي كائن حي العيش من دون وجودها، والتنوع الحيوي بأشكاله من هواءٍ أو ماءٍ أو غذاءٍ أو حتى دواء هي جميعها نواتجَ لحياةٍ صحيةٍ إذا ما تلوثت أو تغيرت، أي أنَّ لا صحة من دونِ حياة ولا حياة بلا مخلوقات، لكن ومع كل ذلك أصبحت اليوم وعلى مرِ العصور، متهالكةً أصابتها الهشاشةُ في كافة أشكالها ومن مختلف المسببات، لتجعلها تقاوم حتى النهاية .

العلاقةُ الطرديةُ بينَ تغيرِ المناخ ودمار ِالصحة

يُعتبرُ المناخ مِن أهمِ الأمورِ الواجبُ الحفاظ عليهِ ليبقى في معدلاتهِ الطبيعية، الذي يخلق نوعًا من التوازن في أرجاء الطبيعة، فلو اختلف اختلفت تفاصيل الأرض بكل عناصرها، وإنّ ثَبت ثبتت جميع العناصر، لكن ما يشهده اليوم من تغيرات كارثية أودت بالعديد من البشر والحيوان والنباتات، حتى غَدت وحشًا يهدد الجميع، حيث قَدرت منظمةُ الصحة العالمية أن حوالي 12.6 مليون شخص يَلقون حتفهم كل عام نتيجة لطرق المعيشة أو العمل في بيئة غير صحية، مما يشكل ربع الوفيات حول العالم، إضافة إلى أنه من المتوقع أن تتسبب التغيرات المناخية في حدوث ما يقرب من 250.000 حالة وفاة إضافية سنويًا ما بين عامي 2030 و2050، ويعرف التغير المناخي بوجه عام أنه التبّدل في الأحوال الجوية والطقس في منطقة على سطح كوكب الأرض والتي تشمل عوامل المناخ المختلفة كالحرارة والرطوبة والجفاف والأمطار وحتى الثلوج بالاضافة للعوامل الخارجية الذي يُنتج اختلافها تغيرًا ملموسًا على تلك المناطق، وأهمُ أسباب تلكِ التغييرات هو بعض نشاطات العنصر البشري، التي تشكل ما يسمى بـ«غازات الدفيئة» المتواجدة في الغلاف الجوي، والتي تنتج الاحتباس الحراري، وتختلف الأنشطة المسببة للتغير المناخي وتتعدد أشكالها ومعالمها الجوية والبحرية والبرية، بالإضافة إلى السبب الآخر وهو التعدي الكبير الواقع على الغطاء الأخضر دون وجه رحمة.

الأمنُ المائي وتغير المناخ

تكمن كل التهديدات لوقوع كارثة غير مسبوقة في التعدي على إمدادات الماء العذبة، والتي يصعب الحصول عليها إذا ما تلوث المناخ، ففي حال تلوث المناخ وتغيره، أدى إلى اختلاف أشكال المياه، الجليد والسائل والبخار والحرارة الزائدة والتي تخل إخلالًا كبيرًا في ذاك التوازن، فبعض المناطق ستشهد اختفاءً للأمطار ونفاد الينابيع وجفاف المحصول النباتي وغيرها سيزداد الهطول فيها، وتصبح الفيضانات والأعاصير أشد خطورة، وفي بعضها الآخر سيزداد التبخر بازدياد درجات الحرارة ليؤدي إلى جفافها، وبالتالي إلى امتصاص الأرض الجافة أكبر كمية من الأمطار، وبالتالي نقصان مخزون المياه الجوفية والأنهار، إضافة إلى تهديدها البشر، وانتشار الأمراض بينهم، فحين ركود الأمطار التي تهطل بشكل غير اعتيادي في بعض المناطق الحارة فذلك يؤدي إلى انتشار أوسع للحشرات الناقلة للأمراض كالملاريا في مناطق أخرى، والتي ستزيد عبء التكلفة في المناطق الفقيرة لتأمين إمدادات مياه صحية وعلاج للأمراض.

الثروة الحيوانية وصحتها

 هل للتغير المناخي تأثير حقيقي على الثروة الحيوانية أيضًا؟
مع استمرار النشاطات البشرية التي تؤثر بشكل مباشر على المناخ، وزيادة حرارة الكوكب، نتيجة غازات الدفئية، هي أيضًا تشكل خطرًا على الثروة الحيوانية، إذ إن ربع الأنواع الحية الموجود على سطح الأرض مهددة بالانقراض بحلول عام 2050 بحسب خبراء إذا استمرت حرارة الكوكب بالزيادة عن المعدل الطبيعي، وتشير الأبحاث أن العالم شهد أول حالة انقراض في عام 1999 بفعل التغير المناخي، بوفاة آخر ضفدع ذهبي في أمريكا الوسطى، إضافة إلى العديد من الحيوانات المهددة بالانقراض في الوقت الحالي بسبب الفيضانات أو اختفاء الجزر، وذوبان الجليد الذي يهدد الدببة القطبية في القطب الشمالي بعد مائة عام أو حتى أقل، وإذا اتجهنا إلى الحيوانات البحرية فقد تسبب ارتفاع الحرارة في إزالة ألوان الشعاب المرجانية إضافة إلى قتلها الطحالب الملونة المهمة لصحة تلك الشعاب واحتوائها على العديد من المواد الهامة التي تسخدم في إنتاج الأدوية، أما بالنسبة للطيور فقد فقدت عدة ولايات أمريكية العديد من الطيور بسبب هجرتها لأماكن أكثر برودة كطيور القرقف ذات الغلاف الأسود من ولاية ماساتشوستس، يذكر أيضًا أن الثروة الحيوانية كما أنها مكملة لحياة البشر أيضا فالثروة النباتية هي أيضًا مكملة لها وللإنسان، إذ إنّ اختفاء الغطاء النباتي يكمن باختفاء الحيوانات والعكس صحيح، فهما مكملان للتكاثر وللحياة ككل .

التغير المناخي وصحة الإنسان

يشكل التغير المناخي، أكبر كارثةٍ حقيقةٍ تهددُ صحة الإنسان، الذي يعتمد كل الاعتماد على جميع المحددات الاجتماعية والبيئية للصحة، ويواجه الإنسان اليوم العديد من الأضرارِ المباشرة على الصحة، فبحسب منظمة الصحة العالمية فإن من المتوقع أن يفضي تغير المناخ في الفترة ما بين عام 2030 و2050 إلى نحو 250000 وفاة إضافية سنويًا من جراء سوء التغذية والملاريا والإسهال والإجهاد الحراري، إضافة إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يعني أن الملوثات الهوائية ستزداد وبالتالي زيادة الأمراض القلبية والتنفسية كالربو والحساسية، إضافة إلى أن التغير المناخي يؤدي إلى تغيير النطاق الجغرافي وإطالة فصول انتقال الأمراض المحمولة بالنواقل، أيضًا الفيضانات تؤثر في جانب تلوث إمدادات المياه العذبة وبالتالي حدوث حالات الجفاف، وانتشار الأمراض المنقولة بالمياه، على سبيل المثال، نجد أن الأطفال في بعض الدول الأفريقية يتركون التعليم بسبب الجفاف أو الفيضانات، وبالتالي استغلالهم في العمل أو حتى الاغتصاب والاتجار بهم، مما ينتهي بهم الحال إلى الموت أو انتقال الأمراض، والإدمان ودخول العصابات.
فعليًا لم يعد الكوكب قادرًا على تحمل هلاكه ودخوله في صراع يودي بصحة ساكنيه، ولم يغد تغير المناخ أمرًا يسهل التجاوز عنه مع اقترابه من تهديد صحة الخلق، وبين هذا وذاك ثمة حلول يجب مجابهتها والوقوف أمامها وتطبيقها  تطبيقًا لائقًا، قد يقلل ذاك حجم تلك الكارثة، التي تشكل خطرًا أقل هدوءًا من الأمس .


كيف يؤثر الاحترار في الصحة؟

موجات الحر

تزداد موجات الحر تكرارا وشدة، وترفع خطر الإجهاد الحراري وضربات الشمس، وتزيد الضغط على مرضى القلب والكلى والجهاز التنفسي، خاصة في المدن المكتظة التي تحتفظ مبانيها وشوارعها بالحرارة.

الأمراض المنقولة بالنواقل

يؤدي ارتفاع الحرارة وتغير أنماط الأمطار إلى توسع المناطق الملائمة للبعوض وغيره من النواقل، فتمتد أمراض كالملاريا وحمى الضنك إلى مناطق لم تكن تعرفها من قبل أو تطول مواسمها.

الماء والغذاء

يهدد الجفاف والفيضانات الأمن الغذائي وجودة مياه الشرب، فتزداد أمراض الإسهال وسوء التغذية، كما تتأثر المحاصيل والثروة الحيوانية بالحرارة والآفات.

جودة الهواء

ترتبط الحرارة بزيادة تكون الأوزون عند سطح الأرض، وتزيد حرائق الغابات والعواصف الترابية من الجسيمات الدقيقة في الهواء، مما يفاقم أمراض الربو والحساسية.

الصحة النفسية

تترك الكوارث المناخية كالفيضانات والحرائق والنزوح آثارا نفسية كالقلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة، ويتحدث بعض الباحثين عن قلق بيئي لدى الشباب.

الفئات الأكثر عرضة

  • الأطفال وكبار السن.
  • الحوامل.
  • المصابون بأمراض مزمنة.
  • العمال في الأماكن المكشوفة كالبناء والزراعة.
  • سكان المناطق الفقيرة والمخيمات ذات الخدمات الصحية المحدودة.

خصوصية المنطقة العربية

تقع معظم الدول العربية في نطاق جاف أو شبه جاف، وتعاني أصلا من شح الموارد المائية، ولذلك يرى الباحثون أنها من أكثر المناطق حساسية لارتفاع الحرارة وتراجع الأمطار والعواصف الترابية. ويضاف إلى ذلك تركز السكان في مدن ساحلية قد تتأثر بارتفاع مستوى البحر.

التكيف والتخفيف

يميز المختصون بين مسارين متكاملين: التخفيف، أي خفض انبعاثات الغازات الدفيئة بالتحول إلى الطاقة النظيفة وتحسين كفاءة الطاقة والنقل العام. والتكيف، أي الاستعداد للآثار الحاصلة، كأنظمة الإنذار المبكر من موجات الحر، وتجهيز المستشفيات، وتحسين إدارة المياه، وزيادة المساحات الخضراء في المدن. ويؤكد الخبراء أن كثيرا من إجراءات التخفيف تحمل فوائد صحية مباشرة، فتقليل حرق الوقود يحسن جودة الهواء فورا.

ما الذي يمكن للأفراد فعله؟

  1. متابعة تحذيرات الطقس وتجنب الخروج في ساعات الذروة الحارة.
  2. شرب الماء الكافي والاطمئنان على كبار السن والجيران.
  3. ترشيد استهلاك الكهرباء والماء.
  4. الاعتماد على المشي والنقل العام عند الإمكان.
  5. تقليل هدر الطعام.

أسئلة شائعة

هل تغير المناخ يسبب أمراضا جديدة؟

يؤثر أساسا في انتشار أمراض معروفة وشدتها ومواسمها، ويضاعف الضغط على الأنظمة الصحية.

لماذا يربط الخبراء بين المناخ والعدالة الصحية؟

لأن المجتمعات الأفقر غالبا أقل إسهاما في الانبعاثات وأكثر تضررا من آثارها، لضعف قدرتها على التكيف.

خلاصة

يؤثر تغير المناخ في الصحة عبر موجات الحر والأمراض المنقولة وتراجع الأمن المائي والغذائي وتلوث الهواء والضغوط النفسية، وتتحمل الفئات الضعيفة والمناطق الجافة كالمنطقة العربية العبء الأكبر. ويتطلب التعامل معه الجمع بين خفض الانبعاثات والتكيف مع الآثار، مع وعي فردي يحمي الصحة ويسهم في الحل.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !