الإنتعاش المغربي للطاقة المتجددة

Unknown

يقدم المغرب واحدة من أبرز التجارب العربية والإفريقية في التحول نحو الطاقة النظيفة، إذ دفعته قلة موارده من النفط والغاز واعتماده الكبير على الاستيراد إلى البحث عن بدائل محلية مستدامة، مستفيدا من شمسه الساطعة معظم أيام السنة ورياحه القوية على السواحل الأطلسية. ولهذا يتحدث كثيرون عن الانتعاش المغربي للطاقة المتجددة بوصفه نموذجا إقليميا.

بعد الحديث عن دوافع هذا التوجه ومحطة نور، نتناول في هذا المقال الفرق بين التقنيات الشمسية، ومشاريع الرياح والطاقة الكهرومائية، والمؤسسات التي تقود القطاع، والأهداف الوطنية المعلنة، والتحديات التي تواجه التجربة، وآفاق الهيدروجين الأخضر.

المغرب ومسيرة التحول نحو المصادر النظيفة


سلسبيل صبيح


على أعتاب بحر الرمال الساحر جنوباً ، ونقاء الطبيعة الخلابة شمالاً ، توجد تلك الدولة التي لطالما وصلت بجمالها العالم أجمع ، وتطورت عبر مر السنين حتى تحاكي العصر الحديث ، في السياحة والإقتصاد والسياسة والتنمية المستدامة ، حتى غدت ملاذاً صحيحاً لكل من يقصدها لتحقيق مطلبه ، وغلبت بمشاريعها البنّاءة والمتطورة في مجالات عدة وتفوقت في البعض الآخر على مستوى إقليمي وعربي ، نعم إنها المغرب ، تلك التي انتعشت في الأونة الأخيرة في جميع المجالات في إقامة أقوى وأفضل المشاريع والأعمال ، خصوصا تلك التي لائمت التحول الإقتصادي الجديد في مجال الطاقة النظيفة والمتجددة .

العلم المغربي رمز الانتعاش المغربي للطاقة المتجددة


لا أمان مع الوقود الأحفوري

يلتهم المغرب جزءاً ضخماً من ميزانية الدولة لاستيراد حاجيات الطاقة أي بما يعادل 13 مليار دولار أي بمجمل 20% من الواردات لسد 94% من احتياجات النفط من الخارج ، على الرغم من امتلاك المغرب مكاناً وفيراً للعثور على النفط بحسب خبراء ، إلا أن عدة شركات دولية ومثال ذلك شركة " بورا فيدا " الأسترالية أعلنت في عام 2012 عن العثور على حقول نفطية في منطقة مازغان إلا أنه لم يظهر شيئاً بعد الى هذا اليوم، يشار أيضاً أن شركة الطاقة الماليزية "بتروناس" سبق وأن أكدت اكتشاف آبار نفطية في البلاد وأن عملية انتاجه ستكون بعد الأربع سنوات إلا أن الشركة توقفت عن العمل وغادرت البلاد، وغيرها الكثير ، أي أنه إن بقيت المغرب تعتمد على الاستيراد النفطي ، والاستهلاك الضخم من حجم الواردات ، كل ذلك سيجعلها على عتبات زيادة الفقر وارتفاع معدل الضرائب والاعتماد على الآخر اضافة إلى مشاكل أكبر قد تحد من التطور الإقتصادي لها .


نموذج مشرق في مستقبل الطاقة المتجددة

أنجبت منطقة "الورزازات المغربية" أكبر المشاريع في مجال الطاقة المتجددة والتي سميت ب "نور" وهي عبارة عن محطة شمسية للطاقة المركزة وتحتوي على ما يصل لنصف المليون مرآة والذي كان من أهم أهدافه الإستقلال النسبي في مجال الطاقة و والإسهام في تقليل الإنبعاثات الغازية وإنتاج طاقة متجددة تشكل المستقبل الإستهلاكي من الطاقة ، حيث يسعى هذا المشروع إلى تغطية 42% من احتياجات الطاقة في عام 2020 من خلال الطاقة الشمسية بحسب الخبير الإقتصادي "محمد كرين" ، وتمتد محطة " نور 1 " على مساحة شاسعة تصل الى 480 هكتارا من الأراضي ، والتي تنتج الأحواض المقعرة المسقيمة فيها 500 ألف ميغاواط من الطاقة الشمسية سنوياً والتي توفر الكهرباء بسعر 0.18 للكيلوواط/ساعة حيث يجري حالياً اجراء سلسة محطات" نور 2" و "نور 3" ونور "4" والتي من المتوقع أن تبدأ في عام 2018 في إنتاج الكهرباء وبأقل من 0.16 دولار للكيلو واط /ساعة.


المغرب نموذج مشرق في مستقبل الطاقة المتجددة


مشروع "قافلة الشمس "

لم يقف الشباب المغربي متفرجاً أمام مستقبل بلاده ، على العكس تماماً فقد أطلقت منظمة غرينبيس  مشروعاً لتعزيز الطاقة الشمسية في المغرب على أيدي شبابه ، حيث يسعى المشروع إلى إقامة شبكة من سفراء الطاقة المتجددة عن طريق اقامة تدريبات للشباب المغربي بشراكة جمعيات محلية ، لمشاركة تجاربهم في أنحاء المغرب وتدريب ربات المنازل على مهارات الطبخ باستخدام الطاقة النظيفة لتوفير الأمان المالي والأمان الصحي لهم علاوة على التقليل من استهلاك الطاقة السيئة التي تسبب في زيادة الإنبعاثات الغازية ، وتعد الطاقة الشمسية اللامركزية مصدراً متاحاً للجميع بحيث يتمكن أي فرد من امتلاك مصدره الخاص في الطاقة وإداراته بناء على الإحتياجات علاوة عنلى أنها تحقق فائدة اقتصادية واجتماعية على مستوى الفرد .
مشروع قافلة الشمس ضمن مشاريع الطاقة المتجددة في المغرب


إنّ نُدرة المصادر النفطية وضرورة مكافحة التغييرات المناخية الحالية ، جعل المغرب من الدول العربية المتصدرة في مشاريع الطاقة المتجددة والمتنوعة على وجه العموم ، والتي ستكون في القريب العاجل مثلاً يحتذى به في دول العالم أجمع ، لنهاية عصر الطاقة التقليدية المبنية على الوقود الأحفوري والبدء بعصر الطاقة النظيفة التي ستمثل استدامة حقيقة في جميع المجالات والأفق .




مجمع نور ورزازات بالتفصيل

يقع مجمع نور قرب مدينة ورزازات في جنوب المغرب، على أطراف الصحراء، ويُعد من أكبر المجمعات الشمسية في العالم. ويتكون من عدة محطات بُنيت على مراحل، تستخدم تقنيات مختلفة، وتبلغ قدرته الإجمالية المركبة مئات الميغاواط، تُقدَّر في المصادر المتخصصة بنحو خمسمئة وثمانين ميغاواط. وتجدر الإشارة إلى أن الميغاواط وحدة لقياس القدرة الإنتاجية اللحظية، بينما يُقاس الإنتاج السنوي من الكهرباء بوحدات مثل الغيغاواط ساعة.

المرايا المركزة والخلايا الكهروضوئية

تعتمد الألواح الكهروضوئية على تحويل ضوء الشمس مباشرة إلى كهرباء عبر خلايا من أشباه الموصلات، وهي الأرخص والأكثر انتشارا اليوم. أما تقنية التركيز الحراري المستخدمة في معظم محطات نور فتعتمد على مرايا عملاقة تركز أشعة الشمس لتسخين سائل خاص، تُستخدم حرارته في إنتاج البخار الذي يدير التوربينات. وميزتها الأساسية إمكانية تخزين الحرارة في خزانات من الأملاح المنصهرة، فتستمر المحطة في إنتاج الكهرباء ساعات بعد غروب الشمس.

محطة البرج

تضم إحدى محطات المجمع برجا شاهقا تحيط به آلاف المرايا المتحركة التي تتبع الشمس وتعكس أشعتها نحو قمة البرج، وهو من أطول الأبراج الشمسية في العالم، ويمكن رؤيته من مسافات بعيدة في المنطقة الصحراوية.

طاقة الرياح والمياه

لا تقتصر التجربة المغربية على الشمس، فالسواحل الأطلسية الجنوبية تتمتع برياح قوية ومنتظمة، وقد أُنشئت فيها مزارع رياح كبيرة، أبرزها مزرعة طرفاية التي تُعد من أكبر مزارع الرياح في القارة الإفريقية. كما يعتمد المغرب منذ عقود على السدود لإنتاج الكهرباء المائية، وأنشأ محطات للتخزين بالضخ، تُستخدم فيها الكهرباء الفائضة لضخ المياه إلى خزان مرتفع، ثم تُطلق لتوليد الكهرباء وقت الذروة.

المؤسسات والأهداف الوطنية

أنشأ المغرب الوكالة المغربية للطاقة المستدامة المعروفة باسم مازن لتطوير مشاريع الطاقة المتجددة وتنفيذها، إلى جانب المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب. وأعلنت المملكة هدفا طموحا يتمثل في رفع حصة مصادر الطاقة المتجددة إلى أكثر من نصف القدرة الكهربائية المركبة بحلول عام 2030. كما استضافت مدينة مراكش مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي عام 2016، مما عزز صورة المغرب بوصفه فاعلا مهما في الدبلوماسية المناخية.

الفوائد المتوقعة

  • تقليل فاتورة استيراد الوقود وتحسين الميزان التجاري.
  • تعزيز أمن الطاقة وتقليل التأثر بتقلبات أسعار النفط العالمية.
  • خفض الانبعاثات الغازية والمساهمة في مكافحة التغير المناخي.
  • خلق فرص عمل وتطوير الخبرات المحلية في التركيب والتشغيل والصيانة والهندسة.
  • تنمية المناطق النائية التي تُقام فيها المحطات، وتحسين خدماتها الأساسية.

التحديات التي تواجه التجربة

رغم الإنجازات، تواجه التجربة تحديات عدة، منها التكلفة المرتفعة لتقنية المرايا المركزة مقارنة بالألواح الكهروضوئية التي انخفضت أسعارها كثيرا، والحاجة إلى كميات من المياه لتنظيف المرايا وتبريد بعض المحطات في مناطق تعاني من شح المياه، وتذبذب إنتاج الشمس والرياح الذي يتطلب حلولا للتخزين وتقوية الشبكة الكهربائية. كما يرى بعض الخبراء أن تحقيق الأهداف يتطلب تسريع وتيرة الاستثمار وإشراك القطاع الخاص بصورة أوسع.

الأثر الاجتماعي والتنموي

أسهمت المشاريع الكبرى في تحسين البنية التحتية لبعض المناطق المحيطة بها، من طرق وتمديدات كهربائية، كما رافقتها برامج لتدريب الشباب المحليين على الوظائف الفنية. ويرى باحثون أن تعظيم هذه الفوائد يتطلب إشراك السكان المحليين في التخطيط، وضمان توزيع عادل للمنافع، والاهتمام بالموارد المائية التي يعتمد عليها المزارعون في الواحات القريبة، حتى تتحقق التنمية المستدامة بمعناها الشامل لا الاقتصادي فحسب.

آفاق الهيدروجين الأخضر

يتجه المغرب في السنوات الأخيرة إلى استكشاف إنتاج الهيدروجين الأخضر، أي الهيدروجين المستخرج من الماء باستخدام كهرباء نظيفة، لاستخدامه في الصناعة، ولا سيما صناعة الأسمدة التي يتميز فيها المغرب بفضل احتياطاته الكبيرة من الفوسفات. ويرى مراقبون أن موقع البلاد القريب من أوروبا وتوفر الشمس والرياح قد يؤهلانها لتصبح مصدرا للطاقة النظيفة إلى الأسواق الأوروبية مستقبلا، وإن كانت هذه المشاريع ما تزال في مراحلها الأولى.

أسئلة شائعة

لماذا اختيرت ورزازات لإقامة محطة نور؟

لأنها تتمتع بإشعاع شمسي مرتفع جدا وعدد كبير من الأيام المشمسة، ووفرة الأراضي المنبسطة، إضافة إلى قربها من مصادر مياه السدود.

هل يصدّر المغرب الكهرباء؟

يرتبط المغرب بشبكة الكهرباء الإسبانية عبر كابلات بحرية تحت مضيق جبل طارق، ويتبادل الكهرباء معها حسب الحاجة.

هل يمكن للأفراد الاستفادة من أشعة الشمس في بيوتهم؟

نعم، تنتشر سخانات المياه الشمسية والألواح الصغيرة على أسطح المنازل والمزارع، خاصة لضخ مياه الري في المناطق الريفية.

خلاصة

تكشف التجربة المغربية كيف يمكن لدولة محدودة الموارد الأحفورية أن تحول نقطة ضعفها إلى فرصة، عبر استثمار الشمس والرياح والمياه في بناء منظومة طاقة أنظف وأكثر استقلالا. ورغم التحديات التقنية والمالية، تبقى هذه التجربة مصدر إلهام لدول المنطقة الساعية إلى مستقبل طاقي مستدام.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !