يقدم المغرب واحدة من أبرز التجارب العربية والإفريقية في التحول نحو الطاقة النظيفة، إذ دفعته قلة موارده من النفط والغاز واعتماده الكبير على الاستيراد إلى البحث عن بدائل محلية مستدامة، مستفيدا من شمسه الساطعة معظم أيام السنة ورياحه القوية على السواحل الأطلسية. ولهذا يتحدث كثيرون عن الانتعاش المغربي للطاقة المتجددة بوصفه نموذجا إقليميا.
بعد الحديث عن دوافع هذا التوجه ومحطة نور، نتناول في هذا المقال الفرق بين التقنيات الشمسية، ومشاريع الرياح والطاقة الكهرومائية، والمؤسسات التي تقود القطاع، والأهداف الوطنية المعلنة، والتحديات التي تواجه التجربة، وآفاق الهيدروجين الأخضر.
المغرب ومسيرة التحول نحو المصادر النظيفة
لا أمان مع الوقود الأحفوري
نموذج مشرق في مستقبل الطاقة المتجددة
مشروع "قافلة الشمس "
مجمع نور ورزازات بالتفصيل
يقع مجمع نور قرب مدينة ورزازات في جنوب المغرب، على أطراف الصحراء، ويُعد من أكبر المجمعات الشمسية في العالم. ويتكون من عدة محطات بُنيت على مراحل، تستخدم تقنيات مختلفة، وتبلغ قدرته الإجمالية المركبة مئات الميغاواط، تُقدَّر في المصادر المتخصصة بنحو خمسمئة وثمانين ميغاواط. وتجدر الإشارة إلى أن الميغاواط وحدة لقياس القدرة الإنتاجية اللحظية، بينما يُقاس الإنتاج السنوي من الكهرباء بوحدات مثل الغيغاواط ساعة.
المرايا المركزة والخلايا الكهروضوئية
تعتمد الألواح الكهروضوئية على تحويل ضوء الشمس مباشرة إلى كهرباء عبر خلايا من أشباه الموصلات، وهي الأرخص والأكثر انتشارا اليوم. أما تقنية التركيز الحراري المستخدمة في معظم محطات نور فتعتمد على مرايا عملاقة تركز أشعة الشمس لتسخين سائل خاص، تُستخدم حرارته في إنتاج البخار الذي يدير التوربينات. وميزتها الأساسية إمكانية تخزين الحرارة في خزانات من الأملاح المنصهرة، فتستمر المحطة في إنتاج الكهرباء ساعات بعد غروب الشمس.
محطة البرج
تضم إحدى محطات المجمع برجا شاهقا تحيط به آلاف المرايا المتحركة التي تتبع الشمس وتعكس أشعتها نحو قمة البرج، وهو من أطول الأبراج الشمسية في العالم، ويمكن رؤيته من مسافات بعيدة في المنطقة الصحراوية.
طاقة الرياح والمياه
لا تقتصر التجربة المغربية على الشمس، فالسواحل الأطلسية الجنوبية تتمتع برياح قوية ومنتظمة، وقد أُنشئت فيها مزارع رياح كبيرة، أبرزها مزرعة طرفاية التي تُعد من أكبر مزارع الرياح في القارة الإفريقية. كما يعتمد المغرب منذ عقود على السدود لإنتاج الكهرباء المائية، وأنشأ محطات للتخزين بالضخ، تُستخدم فيها الكهرباء الفائضة لضخ المياه إلى خزان مرتفع، ثم تُطلق لتوليد الكهرباء وقت الذروة.
المؤسسات والأهداف الوطنية
أنشأ المغرب الوكالة المغربية للطاقة المستدامة المعروفة باسم مازن لتطوير مشاريع الطاقة المتجددة وتنفيذها، إلى جانب المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب. وأعلنت المملكة هدفا طموحا يتمثل في رفع حصة مصادر الطاقة المتجددة إلى أكثر من نصف القدرة الكهربائية المركبة بحلول عام 2030. كما استضافت مدينة مراكش مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي عام 2016، مما عزز صورة المغرب بوصفه فاعلا مهما في الدبلوماسية المناخية.
الفوائد المتوقعة
- تقليل فاتورة استيراد الوقود وتحسين الميزان التجاري.
- تعزيز أمن الطاقة وتقليل التأثر بتقلبات أسعار النفط العالمية.
- خفض الانبعاثات الغازية والمساهمة في مكافحة التغير المناخي.
- خلق فرص عمل وتطوير الخبرات المحلية في التركيب والتشغيل والصيانة والهندسة.
- تنمية المناطق النائية التي تُقام فيها المحطات، وتحسين خدماتها الأساسية.
التحديات التي تواجه التجربة
رغم الإنجازات، تواجه التجربة تحديات عدة، منها التكلفة المرتفعة لتقنية المرايا المركزة مقارنة بالألواح الكهروضوئية التي انخفضت أسعارها كثيرا، والحاجة إلى كميات من المياه لتنظيف المرايا وتبريد بعض المحطات في مناطق تعاني من شح المياه، وتذبذب إنتاج الشمس والرياح الذي يتطلب حلولا للتخزين وتقوية الشبكة الكهربائية. كما يرى بعض الخبراء أن تحقيق الأهداف يتطلب تسريع وتيرة الاستثمار وإشراك القطاع الخاص بصورة أوسع.
الأثر الاجتماعي والتنموي
أسهمت المشاريع الكبرى في تحسين البنية التحتية لبعض المناطق المحيطة بها، من طرق وتمديدات كهربائية، كما رافقتها برامج لتدريب الشباب المحليين على الوظائف الفنية. ويرى باحثون أن تعظيم هذه الفوائد يتطلب إشراك السكان المحليين في التخطيط، وضمان توزيع عادل للمنافع، والاهتمام بالموارد المائية التي يعتمد عليها المزارعون في الواحات القريبة، حتى تتحقق التنمية المستدامة بمعناها الشامل لا الاقتصادي فحسب.
آفاق الهيدروجين الأخضر
يتجه المغرب في السنوات الأخيرة إلى استكشاف إنتاج الهيدروجين الأخضر، أي الهيدروجين المستخرج من الماء باستخدام كهرباء نظيفة، لاستخدامه في الصناعة، ولا سيما صناعة الأسمدة التي يتميز فيها المغرب بفضل احتياطاته الكبيرة من الفوسفات. ويرى مراقبون أن موقع البلاد القريب من أوروبا وتوفر الشمس والرياح قد يؤهلانها لتصبح مصدرا للطاقة النظيفة إلى الأسواق الأوروبية مستقبلا، وإن كانت هذه المشاريع ما تزال في مراحلها الأولى.
أسئلة شائعة
لماذا اختيرت ورزازات لإقامة محطة نور؟
لأنها تتمتع بإشعاع شمسي مرتفع جدا وعدد كبير من الأيام المشمسة، ووفرة الأراضي المنبسطة، إضافة إلى قربها من مصادر مياه السدود.
هل يصدّر المغرب الكهرباء؟
يرتبط المغرب بشبكة الكهرباء الإسبانية عبر كابلات بحرية تحت مضيق جبل طارق، ويتبادل الكهرباء معها حسب الحاجة.
هل يمكن للأفراد الاستفادة من أشعة الشمس في بيوتهم؟
نعم، تنتشر سخانات المياه الشمسية والألواح الصغيرة على أسطح المنازل والمزارع، خاصة لضخ مياه الري في المناطق الريفية.
خلاصة
تكشف التجربة المغربية كيف يمكن لدولة محدودة الموارد الأحفورية أن تحول نقطة ضعفها إلى فرصة، عبر استثمار الشمس والرياح والمياه في بناء منظومة طاقة أنظف وأكثر استقلالا. ورغم التحديات التقنية والمالية، تبقى هذه التجربة مصدر إلهام لدول المنطقة الساعية إلى مستقبل طاقي مستدام.

