التغير المناخي .. تحدي الاجيال اللاحقة

Unknown

لم يعد التغير المناخي قضية يتداولها العلماء في المختبرات فحسب، بل أصبح واقعاً يلمسه الناس في موجات الحر الطويلة، وتبدل مواسم الأمطار، وتزايد الفيضانات والجفاف في مناطق متعددة من العالم. ولأن آثاره تمتد عبر عقود طويلة، فإن ثمن التأخر في مواجهته ستدفعه الأجيال القادمة قبل غيرها.

نعرض في هذا المقال قراءة الكاتب لأسباب الظاهرة ونتائجها والجهود الدولية لمكافحتها، ثم نتوسع في شرح الغازات الدفيئة، ومسار المفاوضات الأممية، والفرق بين التخفيف والتكيف، مع خطوات عملية يستطيع الفرد القيام بها.

أسباب التغير المناخي ونتائجه


زيدون فلاح
التغير المناخي وتحدياته على الأجيال اللاحقة



يواجه العالم اليوم واحدا من اكبر التحديات وهو تغير المناخ، فماهي اسبابه ونتائجه؟ وما الذي يمكن ان يحصل ان لم نتخذ الاجراءات والتدابير المناسبة؟ فالتغير المناخي هو التغير الملموس في معايير المناخ ومن ضمنها درجات الحرارة ومعدلات هطول الامطار والظواهر الجوية القاسية.

تنقسم العوامل المسببة للتغير المناخي الى قسمين، العوامل الطبيعية والانشطة البشرية. ولنفهم اكثر دور البشر في معادلة التغير المناخي يجب ان نتعرف اولا على غاز ثاني اوكسيد الكربون، حيث يعتبر هذا الغاز احد اهم الغازات الموجودة في الغلاف الجوي للارض، ووجوده الطبيعي بكميات متوازنة يساهم باحتباس طاقة الشمس لتدفئة الكرة الارضية والحفاظ على اعتدال مناخنا، ومع ازدياد معدل النشاطات الصناعية للبشر والتي تعتمد على حرق الوقود الاحفوري تصاعدت وتزايدت نسبة انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري، حيث تشير التقديرات الى ان الانسان استخرج واحرق اكثر من 150 مليار طن من الوقود الاحفوري منذ فجر الثورة الصناعة، فاختل التوازن الطبيعي الذي خلقه الله سبحانه وتعالى بحكمة ودقة متناهية، فبات الغلاف الجوي يختزن الطاقة الشمسية المنعكسة من الارض ولا يسمح لها بالنفاذ الى الفضاء الخارجي، وبالتالي ادى هذا الامر الى الاحترار العالمي.

ان الاثار والنتائج السلبية للتغير المناخي ليست بالبسيطة، فهو يؤدي اولا الى ارتفاع درجة حرارة المحيطات وهجرة بعض الكائنات الحية وانقراض البعض الاخر، كما يؤدي ذوبان الكتل الجليدية في القطبين الشمالي والجنوبي الى ارتفاع منسوب مياه البحر وهذا يعني غرق واختفاء الكثير من الجزر والمدن الساحلية حول العالم، ومن آثار التغير المناخي ايضا ازدياد الظواهر الجوية المتطرفة والقاسية مثل الاعاصير وتشكل السيول والفيضانات، كما ستزداد ايضا وطأة موجات الحر وفترات الجفاف مما يشكل خطرا مباشرا على الامن الغذائي والمائي، ناهيك عن الاثار الصحية السلبية للانسان نتيجة لتلك التغيرات.

الهدف اليوم هو تأمين مناخ آمن ونظيف مستقبلا، الامر الذي يتطلب منا الحد من ارتفاع درجات الحرارة الى اقل من درجتين مئويتين (هذا مقدار الزيادة في درجة حرارة الارض منذ الثورة الصناعية)، وهذا لا يأتي من فراغ وانما يجب كبح انبعاثات الكربون الى الصفر بحلول العام 2050. وهنا تكمن المشكلة الاصعب! اذ لا بد من إجماع دولي على التحول الى الطاقات النظيفة والمتجددة والالتزام ببنود اتفاقية باريس للمناخ، في الوقت الذي تتفاقم فيه مشكلة التغير المناخي وتزداد الظواهر المناخية قوة تدميرية وعدوانية تطرق ابواب العديد من دول العالم سنويا من دون استئذان، فالخطوات الدولية نحو الاقتصاد الاخضر خطوات بطيئة وخجولة، والجدية والالتزام بالاتفاقيات الدولية لا تتناسب مع حجم المشكلة، فهاهي الولايات المتحدة الامريكية تنسحب من اتفاقية باريس للمناخ وهي ثاني اكبر دولة باعثة للكربون بعد الصين.

فإلى اين تسير الخطط الدولية للتنمية المستدامة، وكيف يمكن تقييم الجهود الدولية لمكافحة الفقر وتحسين المعيشة والرخاء المشترك لسكان الارض في ظل تزايد وتيرة الكوارث الطبيعية الناجمة عن التغير المناخي، وهناك دراسات حديثة اجراها البنك الدولي تشير الى ان الكوارث الطبيعية تلقي بقرابة 26 مليون شخص حول العالم الى براثن الفقر كل عام، كما واشار تقرير لقناة سكاي نيوز عربية الى ان 525 الف شخص لقوا مصرعهم نتيجة لـ 15 الف ظاهرة مناخ، مكبدة بذلك الاقتصادات الدولية خسائر قدرت ب اكثر من 3 تريليون دولار خلال الـ 20 عاما الماضية.
مع هذه التركة الثقيلة والسيئة من التلوث البيئي وخراب النظم البيئية وفقدان التوازن الطبيعي لها، نكون قد جعلنا مستقبل الحياة على كوكب الارض على حافة الهاوية، لذا سيكون التحدي كبيرا امام اجيالنا اللاحقة في القدرة على الصمود والتكيف مع اسوأ واعتى الظواهر الجوية المتطرفة مع تقديرات تشير الى ان تعداد سكان الارض سيصل الـ9 مليار نسمة بحلول العام 2050 مع تراجع في قدرات الارض على الهبات والعطاء وفقدانها لقدرتها الانتاجية، نتيجة للاستنزاف الجائر للموارد الطبيعية وإخلال الانسان بالتوازن الطبيعي لنظم حياة الكائنات الحية على كوكب الارض وهذا بدوره سيشكل عائقا كبيرا امام توفير الامن الغذائي والمائي العالمي وبالتالي تضييع حق الاجيال اللاحقة في الحياة بأمن وسلام كما عاش اسلافنا بوداد وتناغم مع الطبيعة.

لا يزال هناك متسع من الوقت لتدارك الازمة وتلافي عواقبها الوخيمة اذا ما عملنا بجدية والتزام أزاء مسؤوليتنا الاخلاقية والانسانية تجاه الاجيال اللاحقة تماشيا مع اهداف التنمية المستدامة، لذلك تتعالى صيحات علماء المناخ ووكالات الارصاد الدولية في كل زمان ومكان الى العمل الدولي المشترك، ولأجله اقامت منظمة الامم المتحدة العديد من المؤتمرات والاتفاقيات الاطارية بشأن التغيرات المناخية واهمها اتفاقية باريس التي عقدت في اواخر العام 2015 والتي ستدخل حيز التنفيذ في العام 2020 والتي وقع على بنودها 195 دولة وستكون ملزمة قانونا برسم سياسات واستراتيجيات انمائية لا تتسبب الا في انبعاثات طفيفة من الغازات الدفيئة في الاجل الطويل، لعلها تؤتي بثمارها وتساهم في استقرار درجات الحرارة ومن ثم الانخفاض تدريجيا الى المستويات الطبيعية المعهودة.

الغازات الدفيئة ودورها في الاحترار

يعمل الغلاف الجوي مثل غطاء يحفظ جزءاً من حرارة الشمس، ولولا هذا الأثر الطبيعي لكانت الأرض أبرد بكثير مما هي عليه. غير أن زيادة تركيز بعض الغازات تجعل هذا الغطاء أسمك، فتحتبس طاقة أكثر ويرتفع متوسط درجة الحرارة. وأهم هذه الغازات:

  • ثاني أكسيد الكربون: ينتج أساساً عن حرق الفحم والنفط والغاز وإزالة الغابات، ويبقى في الجو مدة طويلة جداً.
  • الميثان: يصدر عن مكبات النفايات وتربية الماشية وحقول الأرز وتسربات صناعة الغاز، وقدرته على حبس الحرارة أعلى بكثير من ثاني أكسيد الكربون رغم قصر بقائه في الجو نسبياً.
  • أكسيد النيتروز: يرتبط بالأسمدة الزراعية وبعض العمليات الصناعية.
  • الغازات المفلورة: مركبات صناعية تُستخدم في التبريد وغيره، وهي قوية الأثر وإن كانت كمياتها أقل.

وإلى جانب هذه الغازات، يؤدي قطع الغابات إلى إضعاف قدرة الطبيعة على امتصاص الكربون، لأن الأشجار والتربة والمحيطات تعمل بوصفها مخازن طبيعية له.

مسار الجهود الدولية لمواجهة الظاهرة

من قمة الأرض إلى بروتوكول كيوتو

بدأ الاهتمام الدولي المنظم بالمناخ في أواخر القرن العشرين، فأُنشئت الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ لتقييم الأدلة العلمية، ثم اعتُمدت اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ في قمة الأرض بريو دي جانيرو عام 1992. وتلاها بروتوكول كيوتو عام 1997 الذي ألزم عدداً من الدول الصناعية بخفض انبعاثاتها، لكنه واجه انتقادات بسبب محدودية الدول الملزمة به.

اتفاقية باريس وأهدافها

جاءت اتفاقية باريس عام 2015 بمنهج مختلف، إذ تقدم كل دولة مساهمات وطنية تحددها بنفسها وتراجعها دورياً بهدف رفع طموحها. وتنص الاتفاقية على إبقاء الاحترار أقل بكثير من درجتين مئويتين مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، مع مواصلة السعي لحصره في حدود درجة ونصف. وقد شهدت الاتفاقية تقلبات سياسية، منها انسحاب الولايات المتحدة في عهد إدارة سابقة ثم عودتها إليها لاحقاً، وهو ما يعكس ارتباط ملف المناخ بالتوجهات السياسية الداخلية للدول.

التخفيف والتكيف: وجهان للمواجهة

يتحدث المختصون عن مسارين متكاملين؛ الأول هو التخفيف، ويعني الحد من الانبعاثات عبر التحول إلى الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة في المباني والمصانع ووسائل النقل، وحماية الغابات وزراعتها. والثاني هو التكيف، ويعني الاستعداد للآثار التي لا يمكن تجنبها، مثل تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتحسين إدارة المياه، واختيار محاصيل تتحمل الحرارة والجفاف، وحماية المدن الساحلية من ارتفاع منسوب البحر.

وتُعد المنطقة العربية من أكثر المناطق حساسية لهذه التحولات بسبب شح المياه أصلاً، وارتفاع درجات الحرارة، واعتماد كثير من الدول على الاستيراد لتأمين الغذاء، مما يجعل التكيف ضرورة لا ترفاً.

ما الذي يستطيع الفرد فعله؟

  1. ترشيد استهلاك الكهرباء والماء في المنزل، واختيار الأجهزة الموفرة للطاقة.
  2. الاعتماد على النقل العام أو المشي أو مشاركة السيارة كلما أمكن.
  3. تقليل هدر الطعام، لأن الغذاء المهدر يستهلك موارد في إنتاجه ونقله ثم يتحلل في المكبات.
  4. إعادة الاستخدام والتدوير وتقليل المنتجات البلاستيكية ذات الاستعمال الواحد.
  5. المشاركة في حملات التشجير ونشر الوعي البيئي في المدرسة والعمل.

قد تبدو هذه الخطوات صغيرة، لكنها حين تتراكم على مستوى ملايين الأسر تصنع فارقاً، فضلاً عن أنها تخلق ضغطاً مجتمعياً يدفع الحكومات والشركات إلى سياسات أكثر مسؤولية.

أسئلة شائعة

ما الفرق بين الطقس والمناخ؟

الطقس هو حالة الجو في مكان وزمان محددين خلال ساعات أو أيام، أما المناخ فهو متوسط أحوال الطقس على مدى سنوات طويلة، ولذلك لا ينفي يوم بارد وجود الاحترار العالمي.

هل يمكن إيقاف التغير المناخي تماماً؟

يرى العلماء أن بعض التغيرات أصبحت محتومة بسبب ما تراكم من غازات، لكن خفض الانبعاثات بسرعة يمكن أن يحد كثيراً من شدة الآثار المستقبلية.

لماذا يُقال إن الأجيال القادمة هي الأكثر تضرراً؟

لأن الغازات تبقى في الجو مدة طويلة، فتظهر نتائج انبعاثات اليوم في العقود التالية، فيتحمل الأبناء والأحفاد كلفة قرارات لم يشاركوا في اتخاذها.

خلاصة

الاحترار العالمي نتيجة مباشرة لاختلال توازن الغازات في الغلاف الجوي، ومواجهته تتطلب عملاً دولياً جاداً يجمع بين خفض الانبعاثات والتكيف مع الآثار، إلى جانب وعي فردي يغير أنماط الاستهلاك. وكلما بدأ العمل مبكراً كانت الكلفة أقل والفرص أكبر لترك كوكب صالح للعيش لمن يأتي بعدنا.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !