لعبة المزرعة السعيدة على الفيس بوك

على ما يبدو أن هناك العديد من مستخدمي التكنولوجيا الحديثة، يعيشون أسعد أوقاتهم، ويقضون أجمل ساعات أيامهم، وأحلى وأطيب اللحظات في حياتهم... وهم يراقبون ويتابعون ويلاحظون نمو نباتاتهم واخضرار مزارعهم وتفتح زنابق زهورهم ودنو موعد قطفهم وجنيهم للمحاصيل، التي تعج بكل ما لذ وطاب من أصناف الفواكه والخضراوات، التي لا موسم ولا موعد محدد لها، فترى في هذه المزارع، فاكهة من الصيف والشتاء والربيع وحتى الخريف... ليست بحاجة إلى ماء حقيقي ولا سماد طبيعي، لتنمو وتورق وتخضر، لتطرح في النهاية، ثمارها مختلفة الألوان والأشكال والأنواع... ولا تحتاج حتى إلى حرارة شمس النهار “الحارقة” لإتمام عمليات “التمثيل الضوئي”، ولا تحتاج إلى أسراب “النحل” ولسعاته المؤلمة، لإنجاح عمليات “التلقيح الطبيعي”. ولا تحتاج إلى أي مجهودٍ أو طاقة لجني ثمارها ورعاية شتلاتها... لأنها وبكل بساطة “المزرعة السعيدة”.


هذه المزرعة التي تحتاج فقط إلى كمبيوتر شخصي، وحساب مجاني على موقع التواصل “فيسبوك”، وتعلم بعض مهارات الزراعة والحصاد، وبعض فنون التعارف على الجيران، لتبدأ بتكوين مزرعة الأحلام النموذجية، ولتبدأ معها حياة “المُزارع” الجديدة، والبعيدة عن حياة الموظف المثقل بالهموم والمشاكل والديون والقروض... هذه المزرعة التي وبمجرد أن تبدأ بالعمل فيها من باب التسلية، ستجد أنك غير قادر على تركها، وترك محاصيلك التي تعبت عليها أيام وأيام طوال، حتى “أينعت واخضرت وحان وقت قطافها...” لتتركها خالية، بالية، قحطاء، لا خضرة ولا نظرة فيها، لتتركها وتترك معها ساعاتك وأيامك الطوال، التي قضيتها وأنت تراعي وتحافظ وتنتبه على كل صغيرة وكبيرة في هذه المزرعة، “المزرعة السعيدة”.

ساعات وأيام وليال يقضيها “زيد” من الناس، وهو يمضى وقته الذي أصبح اليوم أثمن وبكثير مما مضى، أمام شاشة الكمبيوتر، تجده أمامك، ولا تجد منه سوى جسدٍ بلا روح، تحدثه ولا يسمعك، وإن سمعك فلن يدرك حديثك، وإن أدركه فاعلم أنه قد أنهى زراعة أو تسميد أو تلقيح... بعض نباتات وأشجار مزرعته السعيدة، التي ولو غفل عنها “لا قدر الله” لن يبقى من محصوله شيء، وكأنما “ريح عاتية” أتت على أول وآخر المزرعة، وسحبت صفة “السعادة” منها، وجاءت بكل ما يحلو لك من تسميتها به، من صفات لا تقرب للسعادة والفرح في شيء.

زُراع مزارع اليوم، هجروا مزارعهم بكل ما فيها من ثمار ونباتٍ وشجر، وانضموا إلى ركب الحضارة والتقدم والتكنولوجيا، الذي وجدوا فيه مزارعهم الحقيقية، إنما على شاشات الكمبيوترات والأجهزة اللوحية والهواتف الذكية، تلاحقهم وتتبعهم، وكأنها تأمرهم بالعودة إلى حقولهم ومزارعهم الحقيقية، خوفاً عليهم من أن يتأثروا بزملائهم “مدمني” المزارع التكنولوجية الرقمية، ويسلموا أمرهم إلى ما ستأتيهم به “المزرعة السعيدة” من سهولة الزراعة وسهولة الحصاد، ويمضوا ويضيعوا وقتهم “الثمين” في الزراعة والتلقيح والاعتناء بنباتات ومحاصيل مزارعهم السعيدة التكنولوجية الوهمية، بعيداً عن واقعهم وحياتهم الحقيقية.

يمكنك التعليق على هذا الموضوع تحويل كودإخفاء محول الأكواد الإبتساماتإخفاء

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.

شكرا لك ولمرورك