يُعد موضوع التتار: القبائل المغولية التي اجتاحت المشرق الإسلامي من أكثر صفحات التاريخ الإسلامي إثارة للألم والعبرة معاً، فقد خرجت هذه القبائل من سهوب آسيا الوسطى في القرن الثالث عشر الميلادي، فأسقطت دولاً وممالك، ودمرت مدناً عامرة، حتى بلغت بغداد عاصمة الخلافة العباسية. ثم انتهى الأمر بأن اعتنق كثير من أحفادهم الإسلام وأصبحوا من حماته.
في هذا المقال نتتبع مسيرة جنكيز خان وتوحيده للقبائل، ونسرد أبرز محطات الاجتياح المغولي للعالم الإسلامي، ونتوقف عند معركة عين جالوت، ثم نشرح كيف تحول المغول إلى الإسلام، وما خلفه ذلك من آثار حضارية.
أصل التسمية والجذور العرقية
.jpg)
جنكيز خان وتوحيد القبائل
وُلد تيموجين في منتصف القرن الثاني عشر الميلادي تقريباً في منغوليا، ونشأ في ظروف قاسية بعد مقتل أبيه، ثم استطاع بالتحالفات والحروب أن يوحد القبائل المغولية والتركية المتناحرة. وفي عام 1206 أُعلن خاناً أعلى في مجلس قبلي كبير، واتخذ لقب جنكيز خان. ووضع مجموعة من الأحكام والأعراف عُرفت باسم الياسا، نظمت شؤون الجيش والمجتمع، وأقام جيشاً منظماً على أساس عشري يقوم على وحدات من عشرة ومئة وألف وعشرة آلاف مقاتل.
أسباب قوة الجيش المغولي
- الفروسية والحركة السريعة: فقد نشأ المغول على ظهور الخيل، واعتمدوا على الرماة الفرسان القادرين على قطع مسافات طويلة.
- الانضباط الصارم: إذ كانت العقوبات قاسية على من يخالف الأوامر أو يفر من المعركة.
- الاستخبارات: فقد اعتمدوا على التجار والجواسيس لجمع المعلومات عن خصومهم قبل الهجوم.
- الاستفادة من خبرات الشعوب المغلوبة: كالاستعانة بالمهندسين الصينيين والفرس في صناعة آلات الحصار.
- سياسة الترهيب: بإبادة المدن التي تقاوم لإرهاب غيرها ودفعها إلى الاستسلام.
الاجتياح المغولي للعالم الإسلامي
سقوط الدولة الخوارزمية
بدأ الصدام الكبير بين المغول والعالم الإسلامي مع الدولة الخوارزمية التي كانت تحكم مناطق واسعة من آسيا الوسطى وإيران. وتذكر المصادر أن حاكم إحدى مدنها قتل قافلة تجار وفدت من جهة جنكيز خان، ثم قُتل رسوله، فاندفعت جيوش المغول بين عامي 1219 و1221 تقريباً، فدمرت مدناً كبرى مثل بخارى وسمرقند ونيسابور ومرو. وقد وصف المؤرخ ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ هذه الأحداث بأنها من أعظم المصائب التي نزلت بالمسلمين.
سقوط بغداد عام 1258
بعد وفاة جنكيز خان واصل أحفاده التوسع، وقاد هولاكو حملة كبيرة نحو الغرب، فقضى على قلاع الحشاشين في إيران، ثم حاصر بغداد واقتحمها عام 1258، وقتل الخليفة العباسي المستعصم بالله وأعداداً هائلة من السكان، وتعرضت المدينة للنهب والتدمير، وتُروى روايات عن إلقاء كثير من الكتب في نهر دجلة. وكان سقوط بغداد نهاية للخلافة العباسية في عاصمتها التاريخية، وصدمة عميقة في الوعي الإسلامي.
الزحف نحو الشام
واصل المغول زحفهم إلى الشام، فسقطت حلب ودمشق، وبدا أن مصر هي الهدف التالي. وأرسل هولاكو رسالة تهديد إلى سلطان المماليك في القاهرة يطالبه فيها بالاستسلام.
معركة عين جالوت
في عام 1260 خرج السلطان المملوكي سيف الدين قطز بجيشه من مصر، ومعه القائد الظاهر بيبرس، والتقى بالجيش المغولي بقيادة كتبغا في موقع عين جالوت بفلسطين، بعد أن كان هولاكو قد عاد إلى الشرق بجزء كبير من جيشه إثر وفاة الخان الأعظم. وانتهت المعركة بانتصار حاسم للمسلمين، وقتل كتبغا، فكانت أول هزيمة كبيرة للمغول في تلك المرحلة، وأوقفت تقدمهم نحو مصر وشمال أفريقيا، واستعاد المماليك بعدها دمشق وحلب.
نتائج المعركة
- حماية مصر والحجاز وشمال أفريقيا من الاجتياح.
- تثبيت دولة المماليك قوة رئيسية في العالم الإسلامي لأكثر من قرنين ونصف.
- إحياء الخلافة العباسية في القاهرة بصورة رمزية بعد سقوط بغداد.
- كسر صورة الجيش المغولي الذي لا يُهزم.
من الغزو إلى الإسلام
من أعجب تحولات التاريخ أن كثيراً من المغول الذين غزوا العالم الإسلامي اعتنقوا الإسلام بعد عقود قليلة. فقد أسلم بركة خان زعيم القبيلة الذهبية في القرن الثالث عشر، وتحالف مع المماليك ضد ابن عمه هولاكو. ثم أعلن غازان خان، حاكم الدولة الإيلخانية في إيران والعراق، إسلامه في أواخر القرن نفسه، فتبعه كثير من قومه. ومع ذلك استمرت حروب بين الإيلخانيين والمماليك، ومنها معركة شقحب قرب دمشق في أوائل القرن الرابع عشر، التي شارك في التحريض عليها العالم ابن تيمية.
الأثر الحضاري
بعد استقرار الدولة الإيلخانية شهدت مناطقها نشاطاً علمياً وثقافياً، فقد أنشأ هولاكو نفسه مرصد مراغة بإشراف العالم نصير الدين الطوسي، وكتب الوزير رشيد الدين فضل الله كتابه الضخم جامع التواريخ. كما أسهم اتساع الإمبراطورية المغولية في تنشيط طرق التجارة بين الشرق والغرب لفترة من الزمن.
تيمورلنك وموجة جديدة من الغزو
في أواخر القرن الرابع عشر ظهر في آسيا الوسطى القائد تيمور المعروف عند العرب بتيمورلنك، وهو من أصل تركي مغولي، وكان يعلن انتماءه إلى الإسلام، لكنه شن حملات مدمرة على إيران والعراق والشام والأناضول والهند. ففي عام 1401 دخل دمشق بعد حصارها، وتعرضت المدينة لأضرار جسيمة، وتذكر المصادر أن المؤرخ ابن خلدون التقى به أثناء ذلك الحصار ودوّن انطباعاته عنه. ثم هزم السلطان العثماني بايزيد الأول في معركة أنقرة عام 1402. ويرى المؤرخون أن حملاته أخّرت نهوض المنطقة عقوداً.
التتار في العصر الحديث
ما يزال اسم التتار يطلق اليوم على شعوب مسلمة ناطقة بلغات تركية، أبرزها تتار الفولغا الذين يتركزون في جمهورية تتارستان ضمن روسيا الاتحادية وعاصمتها قازان، وتتار القرم في شبه جزيرة القرم. ويختلف هؤلاء في أصولهم وتاريخهم عن قبائل القرن الثالث عشر، إذ تشكلوا من امتزاج شعوب عدة، وكان للإسلام والثقافة الإسلامية دور كبير في هويتهم، ولهم إسهامات علمية وأدبية معروفة.
أسئلة شائعة
ما الفرق بين التتار والمغول؟
كان التتار في الأصل قبيلة من قبائل منغوليا، ثم أطلق العرب والمسلمون الاسم على المغول عموماً، بينما يرى كثير من المؤرخين أنهما من أصل متقارب امتزجت شعوبه لاحقاً.
متى سقطت بغداد بيد المغول؟
سقطت عام 1258 الموافق لسنة 656 للهجرة على يد هولاكو.
من انتصر في عين جالوت؟
انتصر المماليك بقيادة السلطان قطز والقائد بيبرس على الجيش المغولي عام 1260.
خلاصة
شكل الاجتياح المغولي للمشرق الإسلامي واحدة من أعنف الكوارث في تاريخ المسلمين، من سقوط الدولة الخوارزمية إلى دمار بغداد. لكن معركة عين جالوت أوقفت هذا الزحف، ثم دخل كثير من المغول في الإسلام وأسهموا في الحضارة الإسلامية. وتبقى هذه المرحلة درساً في أسباب الضعف والتفرق، وفي قدرة الأمم على النهوض بعد الشدائد.
.png)