تاج قشتالة: الكيان التاريخي الناشئ عن اتحاد ليون وقشتالة

دار العلوم

يُعد تاج قشتالة من أهم الكيانات السياسية في تاريخ شبه الجزيرة الإيبيرية، إذ نشأ من اتحاد مملكتي ليون وقشتالة، وأدى دوراً محورياً في حروب الاسترداد ضد الممالك الأندلسية، ثم في تكوين إسبانيا الحديثة وبناء إمبراطوريتها فيما وراء البحار. ويهم القارئ العربي هذا الكيان لارتباطه الوثيق بتاريخ الأندلس. وبعد ما تعرضه المقالة عن نشأته، نضيف حديثاً عن مؤسساته السياسية، وعلاقته بالأندلس وسقوط غرناطة، واتحاده مع تاج أراغون، ودوره في الرحلات الاستكشافية.

نشأة تاج قشتالة واتحاد الممالك

تاج قشتالة الكيان التاريخي الناشئ عن اتحاد مملكتي ليون وقشتالة

تاج كاستيا كيان تاريخي بدا مع اتحاد نهائي وحاسم للفريقين مملكة ليون ومملكة كاستيا في 1230، أو في الواقع مع اتحاد البرلمان في وقت لاحق خلال بضعة عقود. في 1230 توج فرديناند الثالث ملك كاستيا وليون والتي تضمنت الممالك القديمة من غاليسيا واستورياس.

بعد أن ظلت الدولة الإسلامية في الاندلس بضعا من الزمن متماسكة موحدة بدأت تقام ممالك مسيحية في شمال إسبانيا المحررة مثل ممالك "قشتالة" و"اراجون" و"مملكة ليون‏" و"الباسك" قامت دولة بني ذو النون في "توليدو" وبدأ صراع مع ملك"سرقسطة" ابن هود ولجأ الطرفا يطلبان مساعدة ملوك إسبانيا المسيحيون وكان هؤلاء يساعدون المسلمين علي بعض مقابل الحصول علي مال أو قلاع أو اراضي أو مدن واستمر نزاعهما من 1043 الي 1046 وبعد فترة صراعات بين البيت القشتالي انتهي بوحدة مملكتي قشتالة وليون تحت صولجان "الملك الفونسو السادس"

استرداد توليدو
بعد أن استتب الامر للملك الفونسو السادس ملك كاستيا فرض الحصار علي "توليدو" في 1084 ولم يقم أحد بمساعدة اخوانهم المسلمين الا المتوكل ابن الافطس الذي ارسل جيش كبير لنجدة توليدو لكنة تعرض لهزيمة ساحقة ماحقة من الجيش المسيحي واستمر الحصار 9 شهور إلا أن استبد الجوع بالناس ولم تفلح محاولات المسلمين الوصول لتسوية لم يرضي الفونسو سوي بتسلم المدينة كاملة وفعلا تم ذلك في25 مايو 1085 وتوجة الي المسجد الكبير الذي حولة الي كاتدرائية وصلي فية قداس الشكر وصارت العاصمة لمملكة قشتالة المسيحية وتم استردادها وتم منح المسلمين كافة الحرية لمغادرة المدينة أو البقاء فيها وحرية التصرف في املاكهم.
معركة الأرك
بعد هزيمة "ألفونسو الثامن" ملك كاستيا وليون في معركة الأرك عقد هدنة المسلمين سنة 1198م، غير أن تلك الهزيمة كانت تقض مضجعه، وتثير في نفسه نوازع الانتقام؛ فانتهز فرصة الهدنة في تحصين قلاع بلاده الواقعة على الحدود، ونبذ الفُرقة والخصام مع خصومه، حتى إذا وجد في نفسه القوة نقض المعاهدة، وأغار على بلاد المسلمين. فاستنفر سلطان الموحدين الناصر "محمد بن يعقوب" الذي خلف والده المنصور المسلمين للغزو والجهاد، وعبر البحر إلى الأندلس في (19 من ذي القعدة 607هـ= 4 من مايو 1211م) ووصل إلى إشبيلية، وأقام بها لإعداد جيشه وتنظيم قوته، ثم تحرك في مطلع سنة (608 هـ= 1211 م) صوب مملكة قشتالة، واستولى على قلعة "شلطبرة" إحدى قلاع مملكة قشتالة بعد حصار دام ثمانية أشهر، ثم عاد بجيشه إلى إشبيلية بعد دخول فصل الشتاء رغبة منه في إراحة جيشه.

ترك ألفونسو الثامن قلعة شلطبرة تقع في قبضة المسلمين دون أن يتحرك لنجدتها وإنقاذها، وصرف همه إلى استنفار أوروبا كلها ضد المسلمين في الأندلس، وبعث الأساقفة إلى البابا "أنوسنت الثالث" بروما يناشده إعلان الحروب الصليبية في أوروبا، وحث أهلها وشعوبها على السير إلى إسبانيا لقتال المسلمين، وعقد مؤتمرًا لتوحيد جهود الإمارات المسيحية في أسبانيا لقتال الموحدين، وأطلق صيحته المشهورة: "كلنا صليبيون"، فتوافدت على طليطلة جموع النصارى المتطوعين من كافة أنحاء المدن الأسبانية، يقودهم القساوسة والأساقفة.

وقد أثمرت جهود "ألفونسو الثامن" في استنفار أوروبا كلها ضد المسلمين، حيث أنذرهم البابا بتوقيع عقوبة الحرمان الكنسي على كل ملك أو أمير يتأخر عن مساعدة ملك قشتالة، كما أعلن الحرب الصليبية، وتوافدت جحافل الصليبيين من كل أنحاء أوروبا استجابة لدعوة البابا، واجتمع منهم نحو سبعين ألف مقاتل، حتى إن طليطلة لم تتسع لهذه الجموع الجرارة، فأقام معظمهم خارج المدينة.

تحركت هذه الجيوش الجرارة التي تجاوزت مائة ألف مقاتل تحت قيادة "ألفونسو الثامن" من مدينة طليطلة في (17 من المحرم سنة 609هـ = 2 من يونيو 1212م)، فاخترقت حدود الأندلس، وضربت حصارًا حول قلعة رباح، وكانت حاميتها صغيرة نحو سبعين فارسًا، دافعوا عن موقعهم بكل شجاعة وبسالة، واستنجد قائد الحامية "أبو الحجاج يوسف بن فارس" بالخليفة الناصر الموحدي، لكن رسائله لم تكن تصل إلى الخليفة؛ فلما طال الحصار، ورأى "ابن قادس" استحالة المقاومة مع فناء الأقوات وقلة السلاح، ويئس من انتظار وصول المدد، صالح ألفونسو على تسليم الحصن له، على أن يخرج المسلمون آمنين على أنفسهم، واستمر زحف القوات الصليبية؛ فاستولت على حصن الأرك وبعض الحصون الأخرى.

ولما علم الناصر بخروج الجيوش المسيحية المجتمعة خرج للقائهم، واستنفر الناس من أقاصي البلاد، فاجتمعت إليه جيوش كثيفة من القبائل المغربية والمتطوعة وجند الموحدين النظاميين، وجند الأندلس، وتألف من تلك الجموع الجرارة جيش عظيم بلغ نحو ثلاثمائة ألف مقاتل، وكان ممن وفد عليه بإشبيلية "أبو الحجاج يوسف بن قادس" قائد حامية رباح، فأمر الناصر بقتله دون أن يسمع حجته أو يحاط علمًا بملابسات التسليم، وأثار قتله غضب الكتائب الأندلسية على الخليفة الناصر الموحدي.

استعد كل من الطرفين للقاء، والتقيا في أحد الوديان بين جبال سير مورينا، وهضبة لينارس، بالقرب من بلدة "تولوسا"، ويطلق الأسبان على هذه الوديان اسم "نافاس"؛ ولذا عرفت الموقعة عندهم باسم "لاس نافاس دي تولوسا"، ويسمي المؤرخون المسلمون هذا الموضع بـ"العقاب"، نسبة إلى حصن أموي قائم بالقرب من المكان الذي دارت فيه المعركة.

وفي (15 من صفر 609 هـ= 17 من يوليو 1212م) نشبت المعركة بين الفريقين، وأقبلت مقدمة جموع الصليبيين الضخمة، فاجتاحوا الجند المتطوعة وكانوا في مقدمة الجيش، فأبادوهم عن آخرهم، وتمكنوا من الوصول إلى قلب الجيش الموحدي واشتبكوا معه، لكن القلب صمد لهذا الهجوم الجامح، ولاح النصر للمسلمين.

فلما رأى ذلك ملك قشتالة اندفع بقواته وقوات مملكتي ليون والبرتغال وكانت تمثل قلب الجيش الصليبي، واندفع وراءه ملكا "أرغون" و"نبرة" بقواتهما وكانا يمثلان جناحي الجيش، فأطبقا على الجيش الموحدي من كل جانب، فاضطربت صفوف الجيش، ولاذ الجند بالفرار؛ مما أربك أوضاع الجيش الذي استسلم للهزيمة القاسية. وفر الناصر من ساحة القتال مع مجموعة من رجاله، وخسر المسلمون الألوف من المجاهدين في الأندلس، وعددا كبيرا من خيرة العلماء والفقهاء والقضاء، واستولى النصارى على معسكر الموحدين بجميع محتوياته من العتاد والسلاح والخيام والبسط والأقمشة والدواب. ولا تزال بعض أعلام الموحدين وخيمهم في معركة العقاب محفوظة في إسبانيا.

وقد فجع الموحدون بهذه الهزيمة القاسية التي راح ضحيتها الألوف من زهرة جنود المسلمين؛ مما أضعف دولة الموحدين، وأفقدهم هيبتهم وقوتهم. وبعد وفاة الناصر سنة (610هـ = 1213م) بدأ الضعف يتسلل إلى الدولة، ويتطرق إليها الخلاف والفرقة؛ مما أضعف الأندلس، وشجع النصارى على تصفية ما بقي للمسلمين من أرض، واختزلت دولتهم في مملكة غرناطة في جنوب الأندلس.
قرطبة
سقطت دولة المرابطين على يد حركة إسلامية أخرى هي حركة الموحدين، فصارت قرطبة وباقي الأندلس الإسلامية بأيديهم في منتصف القرن الثاني عشر. وقام الموحدون بإعادة عاصمة الأندلس إلى قرطبة، فاستعادت شيئاً من مكانتها السابقة. وفي هذه الفترة ظهر في قرطبة الفيلسوف المسلم ابن رشد، بالإضافة إلى العالم الديني اليهودي ابن ميمون، أشهر فلاسفة اليهودية في العصور الوسطى.

و لم يصمد الموحدون طويلاً بعد ذلك، فقد انهزموا هزيمة قاصمة في معركة العقاب ("لوس ناباس دي تولوزا" بالإسبانية) عام 1212 م، فتهاوت بعد ذلك معظم المدن الإسلامية في الأندلس في أيدي مملكة قشتالة المسيحية، فسقطت قرطبة عام 1236 م على يد فرناندو الثالث بعد ما يزيد على خمسة قرون من الحكم الإسلامي للمدينة.

كانت قرطبة منذ سقوط الخلافة الأموية تعاني من الإهمال بعد أن فقدت مكانتها وبريقها؛ إذ انتقلت العاصمة إلى إشبيلية، وكان أهلها مشهورين بالثورة والتمرد ولكنهم ليسوا على قلب رجل واحد تجمعهم الثورة وتفرقهم الأطماع والأهواء، فتارة يبايعون ابن هود، وتارة ابن الأحمر، وتارة بلا قائد أو بيعة.

في أواخر ربيع الثاني سنة 633هـ، أرسل «فرناندو الثالث» سرية استطلاعية من الفرسان لاستكشاف تحصينات المدينة، واستعدادات أهلها الدفاعية، وبمعاونة أحد المسلمين الذين ارتدوا عن الإسلام، استطاعت هذه السرية أن تستولي على العديد من أبراج المدينة، وهرع أهل قرطبة لطردهم عنها ولكنهم استماتوا في القتال، وأرسلوا برسائل استغاثة لفرناندو الثالث، فجاءت إمدادات سريعة بقيادة أساقفة الكنائس القريبة من قرطبة، وجاء فرناندو بنفسه وحاصر المدينة بقواته. أخذ فرناندو الثالث في تشديد الحصار على المدينة، حتى أوشك أهلها على التسليم ولكنهم عادوا وقويت نفوسهم بعدما علم أن مؤن الجيش الصليبي على شوك النفاد، وشعر فرناندو أن لابن هود يدًا في الأمر، فاستغل العداء المستحكم بين ابن هود وابن الأحمر لصالح أغراضه، وأرسل لابن الأحمر يعرض عليه المحالفة والمعاهدة على ابن هود، ووافق ابن الأحمر.

انهارت معنويات أهل قرطبة عندما وصلتهم أخبار معاهدة فرناندو لابن الأحمر، واضطروا للموافقة على التسليم، ودخل فرناندو الثالث قرطبة يوم الأحد 29 يونيو سنة 1236 م
سيفييا
في سنة 1248 م حاصر فرديناند الثالث اشبيلية، واستولى عليها بعد حصار دام سنة وخمسة أشهر.
احتلال غرناطة
اتحدت مملكة ليون وكاستيا مع مملكة أراجون‏ واستطاع الملك فيرنانديو والملكة إيزابيلا، الاستيلاء على الممالك الإسلامية في الاندلس الواحدة تلو الأخرى إلى أن سقطت في أيديهم غرناطة آخر قواعد المسلمين سنة 1492.

المؤسسات والحياة السياسية

تميز هذا الكيان بمؤسسات حكم تطورت عبر القرون، وكان أبرزها الملكية التي تمتعت بسلطة واسعة، إلى جانب مجالس تمثيلية عرفت باسم الكورتيس.

مجالس الكورتيس

كانت هذه المجالس تضم ممثلين عن النبلاء ورجال الدين والمدن، ويُستدعى أعضاؤها للنظر في فرض الضرائب وبعض الشؤون العامة. وقد تراجع دورها تدريجياً مع تعاظم سلطة الملوك في العصر الحديث المبكر.

المدن والنبلاء

أدت المدن دوراً مهماً في الاقتصاد والسياسة، ومنحتها المواثيق الملكية امتيازات خاصة، بينما امتلك النبلاء الكبار أراضي واسعة وقوة عسكرية، ونشأت بين الطرفين والملكية علاقات معقدة من التحالف والصراع.

العلاقة بالأندلس وما بعدها

توسعت قشتالة جنوباً على حساب الممالك الأندلسية في مراحل متعاقبة، فاستولت على طليطلة في أواخر القرن الحادي عشر، ثم على قرطبة وإشبيلية في القرن الثالث عشر، وبقيت مملكة غرناطة آخر الكيانات الإسلامية في الأندلس حتى سقوطها عام 1492.

الاتحاد مع أراغون

أدى زواج إيزابيلا ملكة قشتالة وفرديناند ملك أراغون إلى اتحاد شخصي بين التاجين، مع احتفاظ كل منهما بمؤسساته وقوانينه الخاصة لفترة طويلة. وفي عهدهما اكتمل الاستيلاء على غرناطة، وصدرت قرارات طرد اليهود ثم التضييق على المسلمين المتبقين الذين عُرفوا لاحقاً بالموريسكيين.

  • موّلت الملكة إيزابيلا رحلة كريستوفر كولومبوس عام 1492.
  • أصبحت الأراضي المكتشفة في الأمريكتين تابعة لتاج قشتالة.
  • شكلت قشتالة نواة الإمبراطورية الإسبانية في القرن السادس عشر.

أسئلة شائعة

ما الفرق بين قشتالة وإسبانيا؟

كانت قشتالة إحدى الممالك المسيحية في شبه الجزيرة، وتكونت إسبانيا الحديثة تدريجياً من اتحادها مع أراغون وممالك أخرى، وأصبحت القشتالية أساس اللغة الإسبانية المعاصرة.

لماذا يهم تاريخ قشتالة القارئ العربي؟

لأنه يرتبط ارتباطاً مباشراً بتاريخ الأندلس الإسلامية ومدنها الكبرى ونهايتها، وبمصير الموريسكيين بعد ذلك.

خلاصة

كان هذا الكيان القشتالي فاعلاً رئيسياً في تحولات كبرى شهدتها إيبيريا والعالم، من حروب الاسترداد وسقوط غرناطة إلى الرحلات الاستكشافية، وفهم تاريخه يضيء جانباً مهماً من تاريخ الأندلس وأوروبا الحديثة.

التصنيفات:
يستخدم موقعنا ملفات تعريف الارتباط لتعزيز تجربتك. لمعرفة المزيد
Accept !